الخطاب القومي في مجموعة مختارة من مقالات يونان هوزايا " قراءة نقدية"

ايفان جاني كورييل

تكوين الرأي القومي الحقيقي، والعمل على تنشئة جيل مثقف بل مسلح بثقافته القومية، يعتبر أمراً غاية في الأهمية لا بل مفتاح صمود وبقاء الأمم وعدم تلاشيها في مد ثقافات الأغلبية التي تسعى وبجل الطرق  الشرعية منها وغير الشرعية لمحو الهوية القومية للشعوب المتأخية معها، لاسيما المكونات الإثنية التي تعرف اليوم بإسم " الصغيرة "، والتي في غالبية تلك البقع التي تعيش عليها هي نفسها الشعوب الأصيلة. وفي هذا الجانب يلعب الإعلام بأنواعه، دوراً محورياً في تكوين الخطاب القومي، الذي يؤسس لثقافة قومية ناضجة بنضوج ذلك الفكر. كونه يخاطب عامة الشعب بفئاته المختلفة، مستعيناً بلغات متباينة بتباين المستوى الثقافي والفكري لطبقاته، وكل كاتب أو باحث ينازع لإيصال أفكاره بالطريقة المثلى التي يفهمها المتلقي، فيرتقي لمستواه وينزل كذلك، ليصوغ أفكاره بلغة سلسة يتقنها ويهضم محتوياتها بدون جهد أو عناء.

وشعبنا (الكلداني السرياني الأشوري)، الموزع على عدد من الدول الإسلامية في منطقة الشرق الأوسط، يعتبر إحدى الشعوب التي تعاني من معضلة صهر الثقافة والهوية القومية والدينية منذ قرون خلت. وقد إنبرى العديد من الكتاب والباحثين والآدباء لهذه المشكلة، وكل منهم وحسب إمكاناته ورؤيته حاول تحديد المشكلة وأطرها وإيجاد الحلول المناسبة لها.

الكاتب "يونان هوزايا"، يعتبر أحد أعلام شعبنا الذين حاولوا ومن خلال مقالاتهم القومية التي صاغوها بطريقة  سلسة ولغة مفهومة، الوقوف عند هذه المشاكل ودق  ناقوس وتحذير أصحاب الشأن والمؤسسات القومية والدينية وعامة الشعب من الخطر المحدق بهم.

فبالرغم مما بذله الكاتب من جهد، إلا أننا نشعر وفي عدد من مقالاته والتي إنتقيناها لتكون محور بحثنا هذا، بأنه لم يستطيع تجاوز  هويته الحقيقية الآدبية، وفي محطات أخرى نراه يخلط بين الخطاب القومي الشامل، والخطاب الحزبي الفئوي، محاولاً جذب القاريء إلى صفوف وفلسفة المدرسة التي ترعرع فيها وتخرج منها.

وفي معرض قراءتنا هذه، سنسلط الضوء على (4) مقالات قومية إخترناها لأهميتها من بين مجموعة من المقالات التي نشرها الكاتب في كتابه المعنون " محطات .. ونجوم"، والصادر عام 2012.

المقالة الأولى: ( التسميات المتعددة.. حقيقة وإشكالية).

فلو بدأنا من إسم المقال، نرى أن الكاتب قد وضع عنواناً جذاباً، وهذا يدل على حنكته، كما إن في إسم المقال من الجرأة الكثير كونه يؤكد على أن مشكلة التسمية القومية القائمة إلى يومنا هذا، هي بالفعل مشكلة حقيقة وإشكالية يجب عدم تغاضيها والمرور عليها مرور الكرام، بل الإعتراف بها والعمل على حلحلة عقدتها التي أفقدتنا وعبر قرون طوال فرصاً ذهبية كثيرة، وفي ذات الوقت أعادة قضيتنا إلى الوراء أشواطاً عديدة إن لم نغالي في قولنا بأنها قد أعادتنا إلى المربع الأول. مقدمة مقاله، فيها رسالة قوية لمن يسعون لزرع الشقاق في صفوف شعبنا الواحد الموحد بإختلاف تسمياته وطوائفه وكنائسه، حيث يخاطبهم قائلاً:" هؤلاء نحن اليوم.. أحفاد ذلك المجد، نعرف بعدد من تسمياتنا التراثية التي هي ملك لنا، لشعبنا، جاءت في خضم مسيرة تأريخية طويلة تمتد آلاف السنين وعبر مراحله المختلفة، ولكننا دوماً شعب واحد، يناضل في وطنه من أجل حقوقه وإقرار رسمي بهويته".

يمضي الكاتب في مقاله، ويحاكي القاريء بإسلوب سلس شيق، ولغة بسيطة بعيدة عن التعقيد والتعذيب، مدركاً الحقيقة الأولى والأخيرة في الكتابة، وهي أن الكاتب يخاطب جمهوراً متباين الثقافات والمستويات، واضعاً نصب عينيه الهدف من الكتابة ألا وهو إيصال الفكرة والرسالة بأقصر وأسهل الطرق، لا التباهي بإستخدام المفردات المعقدة  وعرض العضلات بالإستعانة وإشتقاق الجمل غير المفهومة المركبة، التي تجبر القاريء في الكثير من الأحيان إلى إهمال المقال.

ولكي يبرهن فكرته ورأيه، نراه يستشهد بالعديد من الأمثلة والشواهد والروايات التأريخية، ويضرب مثالاً للمشككين بفكرة الوحدة القومية، مخاطباً كل بالفكر الذي يؤمن به. مشبهاً الجدل الدائر بين أطياف ومؤسسات وكنائس شعبنا فيما يخص التسمية القومية الجامعة بالصراع الطويل بين أسبارطة وأثينا وهما شعب إغريقي واحد يمثل دولة اليونان الحالية. وليثبت كلامه يستشهد بتأريخ الكنيسة وكلام رجال الدين، والإعلاميين، والمؤرخين، وقادة شعبنا الخالدين ممن قطعوا الشك باليقين في مسألة الوحدة القومية، ويخاطبهم بحقائق لاشك في مصداقيتها، قائلاً:" هناك حقيقة موثقة بالمستمسكات أيضاً وهي أن بطريرك النسطوريين الحالي هو سليل لأخر كلدانياً قبل 150 سنة، وبالعكس البطريرك الكلداني الحالي هو سليل لأخر نسطورياً في نفس تلك الفترة". ويمضي في كتابته ضارباً مثالاً أخراً للسياسيين في الوحدة القومية إبان مشاركة أبناء شعبنا بوفد مشترك واحد يحمل هموم مجمل الشعب في مؤتمر السلام المنعقد بباريس عام 1919. ويعود ليؤكد على دعم نفس الفكرة من قبل الطبقة المثقفة من أبناء شعبنا في كتاباتهم ومطبوعاتهم القومية، أمثال المناضل فريد نزها في المجلة الجامعة السريانية، وخطابات وكتابات كل من أغا بطرس وبولس البيداري وأدي شير وكثيرون غيرهم.

إلا أن مايؤخذ على الكاتب هنا هو خلطه بين العمل القومي والسياسي الحزبي، فبعد جل الأمثلة والحقائق القومية التي وضعها الكاتب بين أيادي القراء والتي كانت كافية ووافية للموضوع المطروح، إلا أنه يأتي ويستشهد بتجربة الحركة الديمقراطية الأشورية في موضوع التسمية القومية، ويؤكد على أن "الحركة تناولت الموضوع بسلسلة مقالات وكراريس لمكتبي التنظيم والثقافة والإعلام، سعياً من أجل وحدة شعبنا، وعزت بيتنا القومي". إلا أن الكاتب هنا نسي أو تناسى أن الحركة الديمقراطية وإن كانت قد أصبحت طرفاً في حل العقدة، هي نفسها كانت سبباً من أسباب ظهور العقدة من البداية أصلاً، وهنا نعيد لأذهان القاريء الكريم البحث الذي نشره قسم الثقافة والإعلام التابع للحركة الديمقراطية الأشورية عام 1992 تحت إسم

 ( الآشوريون والتسميات المتعددة)، وهذا البحث هو نفس البحث الذي صدر عام 1991 عن نخبة من المثقفين الآشوريين تحت عنوان ( الكلدان.. مذهب أم قومية..). وفي تلك الفترة لم تكن التسمية القومية مطروحة على صعيد الساحة القومية كما أمست عليه منذ مطلع الألفية الثانية ولغاية يومنا هذا، ومقدمة البحث تثبت كلامنا هذا حيث جاء فيها:" مايثار من إستفسار ونقاش حول موضوع البحث مع رفاق حركتنا الديمقراطية الآشورية من قبل جمهرة واسعة من المواطنين ومن كوادر وأعضاء الأحزاب الصديقة". وهنا يتبين لنا بأن مشكلة التسمية لم يكن لها وجود بين أبناء شعبنا، بل الهدف كان رسالة إلى المواطنين وكوادر الأحزاب الصديقة لاغير. ومن يقرأ الإستنتاجات والخاتمة التي خرج بها البحث ستتضح له أن هذا البحث لم يأتي بأية فائدة لشعبنا ومشروعه القومي ووحدته، بل بالعكس ضرب الوحدة في الصميم وعليه أصبح البحث بمثابة ورقة سياسية وإعلامية رابحة بأيادي المحسوبين على شعبنا أولئك الذين يغلبون مصالحهم الذاتية على المصلحة القومية، ومنذ تلك الفترة تحركت جهات داخلية وخارجية لدعم أجندة تلك الشخصيات بغية إضعاف الدور القومي الآشوري ولوي ذراع أحزابنا القومية.

ويسطرد الكاتب:" من الجدير أن نستعرض تجربة الحركة الديمقراطية الآشورية التي إستخدمت منذ تأسيسها التسمية الآشورية". وهنا تتكون مجموعة من الأسئلة التي كان على الكاتب أن يسألها لنفسه قبل أن يكتب الجملة التالية ومنها: هل الحركة الديمقراطية الآشورية وحدها من تبنت التسمية منذ تأسيسها؟ وماذا عن الأحزاب الأخرى ( الحزب الوطني الآشوري، الإتحاد الآشوري العالمي، حزب بيت نهرين الديمقراطي، حزب أثور، المنظمة الآثورية الديمقراطية..) وجميع هذه الأحزاب تفوق الحركة تأريخاً؟ ولابد الإشارة هنا إلى أن الحركة الديمقراطية الاشورية هي التي قادت المؤتمر القومي الكلداني السرياني الاشوري المنعقد في بغداد (22-23/تشرين الثاني/ 2003)، وكانت عرابة الإسم القومي المركب، الكلدو أشوري السرياني.  فحشر الفكر الحزبي في الخطاب القومي أفقد المقال موضوعيته كمقال قومي بحت، وهذا لايعني أننا لانعتبر الحركة جزءاً من الحركة القومية وخطابها جزءاً من الخطاب القومي والوطني، إلا أننا نجد أنه من غير المنصف إختصار التجربة القومية والنضال القومي لشعبنا في تجربة فصيل أو مؤسسة مهما كان دورها وقوتها وتاريخها.

وقبل أن يختتم الكاتب مقاله، ولإيمانه بأن مسألة إثارة المشكلة وعرضها بالنسبة لأي مثقف أو متنور لاتعتبر ذي أهمية مقارنة بالحلول والعلاجات المطلوبة لتفادي تناميها وتفشيها، لهذا نجده ينبري لعرض إستنتاجاته التي تؤلف في مجملها عقدة الموضوع، ويضع بين أيادي الخيرين من أبناء شعبنا جملة من النقاط التي يرى فيها حلولاً ملائمة لعلة التسمية التي أمست تؤرق الجميع دون تمييز.

ويختم كلامه بجملة على القاريء والمؤمن بقضيته القومية الوقوف عندها وقرائتها بروية وتحليلها قبل أن يطلق أحكامه النهائية، فيقول:" ندعو للعمل القومي من أجل قضايانا المصيرية الأهم، فلو ضاعت حقوقنا فسوف لن يكون هناك في المستقبل لا كلداني ولا أشوري ولا سرياني ...

المقالة الثانية: ( مشروع سهل نينوى).

كعادته فإن الكاتب يختار موضوعاً غاية في الأهمية لطرحه ومناقشته إعلامياً وفكرياً. وعن هذا المشورع المهم الذي هو حلم كل قومي غيور من أبناء شعبنا، يقول:" حتى الأن ـ حسب علمي ـ مامن مشروع منجز وواضح ومتفاهم عليه، بل مجرد وجهات نظر متباينة، وطروحات غير أكاديمية لإدارة شعبنا في سهل نينوى". فالمتمعن في هذه الجمل القصيرة، الثقيلة فكرياً، يشعر ويحس بمدى إهمال مؤسساتنا وأحزابنا وكنائسنا. فبعد مرور أعوام على تحرير سهل نينوى لازلنا نقف عند المربع الأول، وجل مانملكه ما هو إلا مجرد وجهات نظر وطروحات ومزايدات سياسية. كما يتطرق الكاتب إلى نقطة غاية في الأهمية، ألا وهي مسألة الإستفادة من قدرات وكفاءات الأكاديميين والمختصين من أبناء شعبنا في مثل هكذا مشاريع إسترتيجية، فمع شديد الأسف لازالت الطبقة الأكاديمية بعيدة ومستبعدة من جل المشاريع القومية.

وبجرأة أكثر يقولها الكاتب بأن الشعب المسكين أصبح ضحية الطروحات السياسية التي تطرحها هذه الجهة وتلك، حيث أمست الصورة مشوهة أمام الجماهير للحكم عليها.

وما يؤخذ على الكاتب في مقاله هذا، أنه إختار عنواناً عاماً وغير جذاب لمقال بهذه الأهمية، هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن الكاتب إنحاز لصالح  طرف دون أخر حيث يقول:" التفسيرات والإعلام المرافق لمشورع الحكم الذاتي، مقابل الإدارة الذاتية". فالتفسيرات والإعلام جاءت أيضاً من طرف الجهات الداعمة لمشروع الإدارة المحلية ضد الفريق والجهات المؤيدة لمشورع الحكم الذاتي، هذا المشروع المطروح منذ عقود وليس وليد فترة مابعد السقوط 2003. 

إضافة إلى أن الكاتب قد خالف إسلوبه المعهود بإعطاء إستنتاجاته وحلوله لكل مشكلة أو موضوع يتناوله.

المقالة الثالثة: ( توحيد الخطاب السياسي القومي).

يعتبر هذا المقال من المقالات المهمة التي كتبها الكاتب في الشأن القومي، رغم أني أجد أن عنوانه لايجذب القاريء، ولايثير في داخله الفضول لقراءته، وكان من الأفضل أن يشير الكاتب في عنوانه إلى المشكلة أو الطرح الذي يرغب بتقديمه في سياق مقاله، وهذه النقطة تعتبر الأهم في أسس صياغة إسم المقال . وفي هذا المقال يعود الكاتب إلى إسلوبه المعروف ألا وهو تحديد المشكلة وتقديم الحلول الناجعة لحل عقدتها، فيثير مجموعة من النقاط المهمة على الصعيد القومي التي يمكن للفصائل القومية ومؤسساتنا العمل عليها في حال كانت جدية في رغبتها بالحفاظ على الوجود القومي لشعبنا ووحدة خطابه السياسي، ومشاركته بقوة في العملية السياسية، وحصوله على حقوقه كاملة،  ومن هذه النقاط نذكر:" الإشتغال على الوعي والتنوير، خاصة في حث شعبنا على المشاركة في المحطات التي تمر بها العملية السياسية في العراق، من إحصاءات وإستفتاءات وإنتخابات،". الكاتب هنا يوجه إنتقاداً مبطناً لمؤسسات وأحزاب شعبنا دون أن يسميها بالإسم، فيحملها مسؤولية ضعف الوعي والتنوير القومي، وبالتالي تأثيرها السلبي والواضح على النتائج الإنتخابية من جهة، وضعف تمثيلنا في المؤسسات الوطنية بحجة تدني عددنا. وبخصوص المشكلة التي برزت إلى العلن في السنوات الماضية وهي التسمية القومية في الإحصاء الوطني، وإضافة حقل تحت مسمى القوميات الأخرى، لايخفي الكاتب مخاوفه من كل هذا فيطرح سؤالاً مفتوحاً" كم من أبناء شعبنا ستسجل أسماؤهم في حقل القوميات الأخرى"؟ ونحن بدورنا نسأل أيضاً لحد اليوم مالذي فعلته أحزابنا ومؤسساتنا لتنوير أبناء شعبنا في هذا الخصوص؟

المقالة الرابعة: ( 5 مقاعد ÷ 4 قوائم ).

في هذه المقالة يسلط الكاتب الضوء على البرنامج الإنتخابي لقائم أبناء شعبنا المشاركة في إنتخابات برلمان إقليم كوردستان ـ العراق، ويحاول جهده لتحليل دور ومواقف وثقل وحتى إبراز درجة قوميتها من خلال مواقفها وأجنداتها وسياستها وذلك وفق منظور الكاتب. فبعد المقدمة التي يعطيها عن القوائم والجهات التي إنضوت كل تحت إسم، يحاور الكاتب القاريء من خلال ثلاث نقاط مهمة وهي، الوحدة القومية، والتعليم السرياني ومصالح شعبنا. وهنا سأسلط الضوء على نقطة التعليم السرياني وأقف عندها كونها من النقطاط المهمة والتي يدور حولها الكثير من الكلام. الكاتب في مطلع حديثه عن دور التعليم السرياني في برامج القائمات الإنتخابية يقول:" القوائم عموماً تؤيد التعليم السرياني ضمن برامجها المعلنة ـ رغم عدم التركيز، ومنها من قام بجمع التواقيع في ـ مرحلة ما ـ ضد التعليم السرياني!! ولأن لي تجربة لابأس بها في الإدارة والتعليم السرياني ولازلت مستمراً في نفس السلك، فقد أجريت مجموعة إتصالات بشخصيات عاصرت عملية التعليم السرياني منذ بداياته، والبعض منها توجه إليه أصابع الإتهام دون ذكر الإسم، ومن الشخصيات التي إتصلت بها السيد كرستوف يلدا عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني والسيد روميو هكاري السكرتير العام لحزب بيت نهرين الديمقراطي، والسيد جونسن سياوش وزير النقل والمواصلات المستقيل في حكومة إقليم كوردستان، وقد أكدوا جميعهم على أن مشروع التعليم باللغة الأم يعتبر مشروعاً قومياً فكرته تعود إلى عقود مضت، ولم ولن يجرأ أي أحد من المؤمنين بقضية شعبنا على الوقوف ضد مثل هكذا مشروع. ويبدو بأن معارضة بعض الجهات لم تكن للمشروع بأكلمه كما أكد السيد هكاري وسياوش بل جائت على المناهج والشخصيات المرشحة، وألية التدريس فكان هناك رأيان أحدهما يرى أن تكون الدراسة باللغة السريانية وتدرس فيها جميع المواد، والرأي الثاني كان يجد أنه من الأحسن الشروع بتدريس اللغة السريانية والتربية المسيحية، والعمل مستقبلاً لفتح قسم اللغة السريانية وتهيئة الكادر اللازم وتوفير الأرضية الملائمة ومن ثم تحويل الدراسة كلياً إلى اللغة السريانية. وبعد  سنوات من إنطلاق تجربة التعليم السرياني برزت بوادر مشكلة الكادر المتخصص لاسيما في الدروس العلمية، فمثلاً اليوم في إعدادية شميرام وللسنة الثالثة على التوالي تدرس مادتي الفيزياء والكيمياء باللغة الكوردية لعدم قدرة المديرية العامة للتعليم السرياني من توفير الكادر المختص لهذه المواد، وأمسى أولياء إمور الطلبة ينقلون أبنائهم إلى المدارس الكوردية بسبب عدم إيجاد حل لهذه المشكلة التي تتكرر سنوياً.  والأهم من كل هذا حصر المكتسبات القومية وربطها بتنظيم واحد وهذا ما لم يكن لصالح شعبنا بل بالعكس أثر سلباً على التجرية بشكل عام.  الكاتب يصر على أن المشروع ولد من فكر ورحم الحركة، وقد بذلت الحركة الديمقراطية الاشورية جهوداً كثيرة لإنجاحه وتشريعه في برلمان الإقليم عام 1992. وهنا أثني على الجهود التي بذلتها وتبذلها الحركة الديمقراطية الأشورية في مجال التعليم السرياني، إلا أن الكاتب نسي أو تناسى دور الخيرين والقوميين من أبناء شعبنا يومها في برلمان الإقليم أمثال المرحوم الشهيد فرنسو حريري الذي كان يترأس واحدة من أكبر الكتل البرلمانية وهي الكتلة الصفراء، وبدون دعم وتصويت أعضاء تلك الكتلة ماكان المشروع ليرى النور، هذا من جهة ومن جهة أخرى دور الأستاذ سركيس أغاجان الذي كان هو الأخر عضواً في برلمان الإقليم.أما بخصوص المصاريف الخاصة بعملية التعليم والمخصصات وتكاليف الطبع وترجمة الكتب وغيرها التي يحصرها الكاتب بالجمعية الخيرية الاشورية كالجهة الوحيدة الممولة للمشروع ولحد اليوم. فهنا سأذكر مثالاً بسيطاً عن دعم جهات أخرى تجاهلها الكاتب أو لم يقف عند دورها القومي والذي لابد من ذكره إنصافاً للحقيقة والبحث الأكاديمي، وتفادياً لكتابة تأريخ مشوه، ناهيك عن الخدمة القومية التي أسداها لأبناء شعبنا بكافة إنتمائاتهم. الدراسة السريانية بدأت في قرية ديانا منذ العام 1995، وديانا تعتبر المنطقة الأولى التي شرعت بالتدريس باللغة الأم في عموم محافظة أربيل، حيث إفتتحت أول مدرسة حكومية لتدريس اللغة السريانية تحت إسم (مدرسة أشوربان الإبتدائية السريانية المختلطة). تطورت الدراسة في القرية بجهود أبناء القرية وروحهم القومية وتعلقهم بلغتهم الأم، وفي العام 1998 إفتتحت (متوسطة شميرام السريانية المختلطة) وبعد سنوات تحولت المتوسطة إلى ثانوية ولازالت إلى يومنا هذا. وبسبب عدم توافر البنايات المدرسية فأن كلتا المدرستين كانتا تداومان بدوام واحد في بناية واحدة، وفي بيئة غير صحية وتربوية وحتى إنسانية، وإستمرت الدراسة على هذا المنوال حتى العام 2006، حيث مشكوراً أستجاب السيد سركيس أغاجان لطلب المدرستين وإستحصلت الموافقة لبناء مدرسة وتأثيثها، وبعد حوالي عام شيدت المدرسة مع دار للمدرسين وأخرى للحارس، حيث بلغت كلفة بناء المدرسة أكثر من (600،000،000) ستمائة مليون دينار عراقي، كما تم مد شارع خاص للمدرسة بلكفة (37,000,000) سبع وثلاثون مليون دينار عراقي، وكذلك إيصال الطاقة الكهربائية بكلفة (25،000،000) خمس وعشرون مليون دينار عراقي، وبناء ملعبين أحدهما لكرة الطائرة والسلة، والثاني من التاتان وخاص بكرة القدم المصغرة بكلفة (15،000) دولار أمريكي، إضافة إلى شراء سيارة نوع بيكاب للمدرستين بقيمة(170،000 دولار أمريكي)، وتعيين سائق خاص، وتخصيص مبلغ قيمته (40،000،000) أربعون مليون دينار عراقي لتأثيث المدرسة، كما خصصت نثرية سنوية لإدارة ثانوية شميرام السريانية، وتم تجهيز طلابها بالزي الرسمي لثلاث سنوات متتالية.   كما شيدت روضة عصرية خاصة لأطفال القرية تحت إسم (روضة نينوى) حيث بلغت كلفة البناء (580،000،000) خمسمائة وثمانون مليون دينار عراقي، وتم تأثيثها بأحدث الأجهزة وأرقى التأثيثات وبلغت كلفة التأثيث الكلية (96،000،000) ست وتسعون مليون دينار عراقي. هذا دون أن ننسى دور الأستاذ سركيس في تعيين غالبية المعلمين والمعلمات اللذين كانوا بمثابة النواة الأولى المؤسسة لمدرسة أشوربان الإبتدائية،  فقام بالتوسط لهم لدى الجهات المعنية في تربية مصيف صلاح الدين يومها، وذلك بعد إنقسام الإدارتين نتيجة الحرب الأهلية بين الحزبين الديمقراطي الكوردستاني والوطني الكوردستاني.  فهل من المنصف أن نتجاهل كل هذا الدعم الذي قدمه هذا الإنسان للتعليم السرياني في قرية صغيرة مثل ديانا؟. وللتأريخ لابد أن نذكر الدعم الذي قدمه مشكوراً السيد روميو هكاري السكرتير العام لحزب بيت نهرين الديمقراطي، الذي لبى كل طلب قدمته له إدارة ثانوية شميرام ، وتحمل نفقات ترميم أقسام من المدرسة، وتكفل مرات عديدة بتوفير القرطاسية المطلوبة لإدارة المدرسة والمخصصات الخاصة بنقل الأساتذة الخارجيين من أربيل أو سهل نينوى. أما بخصوص نقطة تكاليف الترجمة والطبع فهذا بحث أخر يحتاج إلى الوقوف عنده مطولاً، لأن معظم تكاليف الطبع والترجمة تتحملها وزارة التربية في حكومة إقليم كوردستان العراق، وأسماء المترجمين مطبوعة على الصفحات الأولى من كل كتاب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، إن لم يكن كذلك فلماذا تقوم اللجنة المعنية بالترجمة والطبع، بطبع وترجمة كتب التأريخ التي تمجد القاتل سمكو شكاك كبطل قومي؟! ولماذا تترجم وتطبع كتب تحت إسم ( جينوسايد الشعب الكوردي)، ونحن ليس لنا في تلك الكتب وفحواها لاناقة ولاجمل!! كما إن هناك نقطة غاية في الأهمية نراها تتكرر في مقالات الكاتب وهي إستخدام إسلوب الغائب في الكلام، والتردد في ذكر الأسماء، فنراه يستخدم مفردات مثل الأخرون، هذه التشكيلات.. وهذا التردد أو التحفظ في ذكر الأسماء يضعف المقال وموقف والرسالة التي بصددها صاحب المقال، فأي خبر أو معلومة مبنية على مصدر مجهول تعتبر باطلة ولايعمل بها لا في المجال الإعلامي ولا القانوني.

الخاتمة والإستنتاجات:

في النهاية أجد أن الكاتب قد إختار مجموعة عناوين مهمة تصدى لها بلغة سلسة ومفهومة وقريبة إلى كافة المستويات الثقافية واللغوية للمتلقي، كما إنه قد قدم الكثير من الحجج وأورد العديد من الأمثلة التي من خلالها حاول أن يبرهن مايصبوا إليه ويكسب ثقة وود القاريء، وفي عين الوقت نجد أنه يختتم كلامه وفي معظم مقالاته بخاتمة وإستنتاجات مقرونة بالحلول. إلا أنه لم يكن موفقاً في إختيار عناوين معظم مقالاته التي إفتقرت إلى الجاذبية، ناهيك عن عدم نجاحه في الجمع أو المزج بين الخطابين القومي والحزبي، وإستشهاده بالعديد من الأمثلة والتجارب الحزبية للجهة التي كان ينتمي إليها  كمبررات لكلامه والتي كان من الممكن جداً عدم ذكرها وتجاوزها لأنها في النهاية لم تضف شيئاً إلى المقال بل بالعكس، أضعفته وأبعدته عن فلسفة الخطابات القومية.

يونان هوزايا ودوره في التعليم

ܓܪܐ ܕܝܘܢܢ ܗܘܙܝܐ ܓܘ ܚܩܠܐ ܕܡܠܦܢܘܬܐ

تطويع السريانية بين الاصالة والتحديث

ܡܲܚܫܲܚܬܵܐ ܕܣܘܼܪܝܵܝܵܐ ܒܲܝܢܲܬ݂ ܫܸܪܫܵܝܘܼܬ݂ܵܐ ܘܚܘܼܕܵܬ݂ܵܐ

ميخائيل بنيامين

 

الفكرة الاساسية هي دور يونان هوزايا في حقيقة محاولاته الدائمية في تحديث وتطوير السريانية ولكن بالتاكيد دون ان يمس الاصالة الموجودة فيها. وانا اتحدث عن تجربة او معايشة يومية ابتدات منذ 1995 من يوم بدأنا نعمل في اذاعة اشور ومن ثم تلفزيون اشور وكنت يومها مدير تحرير بهرا السريانية يومها كان رئيس تحرير بهرا العربية والسريانية فكم اتشوق لتلك الاحاديث التي ركزت على: كيف تكون السريانية (الكوشما ܓܘܫܡܐ ) معين ولكن لا ضير ولا خوف نهائيا من تطويعها وتطويرها لتكون لغة حية تستخدم في الاعلام والصحافة.

وانا جالس هناك حاولت ان انقل هذه النقاط الخمسة من كتابه بعنوان (كانونا ܟܢܘܢܐ) لانها كانت كلها بالاساس بالسريانية . لانني بقناعتي ان هذه النقاط الخمسة بالكامل تعبر عما كان يفكر فيه رابي يونان.

كانونا هو الموقد وفكرة الكتاب هي بالاساس موضوع  الصياغات (ܚܫܲܠ̈ܝܵܬܵܐ) أي الصياغة، مثل صياغة الذهب، وهي علميا وعمليا  ان تحرقة وثم تصنع منه ما تريد. كان تصنع صليبا او ثورمجنح أو أي شئ آخر تريد صناعته. ورابي يونان يشبه لغتنا بهذه الصياغات، لهذا ان كان عندك اصل الكلمة تستطيع ان تصيغ منها ما تريد.

في كتابه كانونا  نوهاري عل لشنا دارايا خاثا (كنونا - نوىذا عل لشنا دريا حدةا)  ماذا يقول :

ان الاكدية والسريانية الارامية هي ارث حقيقي ومولد للغتنا  المعاصرة وان الموروث السرياني هو الاساس في الاصل الاملائي للمفردة اليوم.

والشيء الاخر الاهم الذي عمل عليه عمليا، هو ان اللغة كائن حي ينمو ويتطور ولغتنا لا تشذ عن هذا المبدأ ولذلك معظم ما آلت اليه اللغة المحكية اليوم هو تطور طبيعي لا يمكن تجاهلة بل لابد من تصاريف واشتقاقات حديثة ومعاصرة.

معظم اشكالات اللغة المعاصرة تكمن في احرف العلة واشكالات الاحرف الحلقية وافرازات قواعد التليين. فكل كتاب رابي يونان اذا ما اطلعتم عليه يفسر ويسلط الضوء على المشاكل والاخطاء الناتجة من هذه الاشكاليات اساسا وبسبب حروف العلة والحروف الحلقية وقواعد التليين والتركيخ.

كتابان اصدرهما يونان باختصاص اللغة اولهما كانونا 1999 وكتاب اخر صدر عام 2013 من دار المشرق الثقافية  نوهدرا. عنوانه السريانية المعاصرة او لغة السورث حتى في استخدامه اللغة السريانية الاكدية الاشورية الاثورية الكلدانية او السورث، لم تكن لديه يوما هناك اية عقدة او اشكالية وخاصة وانه استخدم السورث.. فكل هذه التسميات للغة واحدة. والنسخة الثانية من الكتاب هي طبعة جديدة لكتابه السابق.

كل التفسيرات والتحليلات كانت مستندة الى هذه النقاط الخمسة، وهنا استخدم لغة السورث.

طريقة رابي يونان كانت تميل دائما الى التبسيط والسلاسة، ليس فقط في اللغة، كان بطبيعته سلسل بسيط ومتواضع ولكن ممتلئ، حتى في اللغة، هكذا لم يكن يقبل ان يكون هناك مشكلة في استخدام اللغة، يدرك تماما ان اللغة واسعة وهناك مرونة وبامكان الفرد استخدام ما يمكنه.

كمثال، كان له محاولة فنية في رسم الحرف وحاول ان يدمج الحروف الشرقية والغربية والاسطرنجيلي وكيف يمكن ان نستقي منها جميعها. وكان مبدأه نحو الاكثر بساطة والاكثر سهولة ويتلائم مع القضايا التقنية مع الكومبيوتر.

وكان له طريقة تبسيط كتابة الاحرف، اي استخدامها بطريقة سريعة وانه كان له رأي في انه يمكن للاحرف السريانية ان تكتب مثلما يوجد انواع الحروف الانكليزية الكبيرة والصغيرة والمزج.  واعطى رايه في اكثر من مكان.

وقد ضمن كتابه حتى مشكلة الكيبورد الانكليزي. فالواقع ان كل خط من خطوط الكومبيوتر في السرانية، فيه ازرار مختلفة لاستخدام الحركات كمثال،  وكان له رأي في كيفية معالجة هذه المشكلة.  وصمم كيبورد الاحرف الانكليزية ضمنه اقتراحا في هذا المجال.

احدى القضايا المهمة والجوهرية بالنسبة لي، ان تعامل رابي يونان مع اللغة مبني على التحليل، فليس هناك كلمة غير محللة، ليس عند يونان هوزايا وجود قوالب جامدة. ويؤسفني انني التقيت بالكثيرمن اللغويين يعتبرون اللغة وكانها شيء جامد. عند يونان المسالة كانت مبنية على التحليل، البحث عما هو اصل هذه الكلمة ؟ ولماذا تتغير بهذا الشكل وليس بالشكل الاخر؟  وخصوصا نلاحظه في موضوع اصوات الحروف، حيث فصل كثيرا في اصوات الحاء والخاء، متى وكيف تستخدم؟ وبين الجيم والكاف (ܓ̰  و ܟـ).

رغم وجود اختصاصيين في اللغة، نرى ان بينهم كثيرين ممن يتصورون بمجرد ان يسمعوا صوت الجيم  يفكرون انه بالاصل الكمل (ه) وبرسم القوس تحتها (ج) يعالج الموضوع. غير ان تاثيرات اللغات الاخرى ودخول صوت المستورد من تاثيرات الجيم الى لغتنا، فانه ليس بالضرورة ان يكون ذلك حرف الكمل(ه) فقط، فقد يكون اصلها الشين او الجيم اوالزين والكثير من حروفنا السريانية تأخذ مكانا حرف آخر، وهنا تكون مسألة تحليل وتشخيص العلة واقتراح العلاج المناسب، فيونان في اكثر كتاباته عن اللغة قد تطرق الى هذا الموضوع.

واحيانا عندما نسمع كلمة فيها حرف الجيم  نعتقد ان الكلمة غريبة او من لغة كردية او عربية ولكن تاصيلها سنرى بسهولة انها كلمة اصلية وموجودة في لغتنا. فكلمة (جىا - يتعب)  هي اصلية ومن (شىا) وهنا حرف (الشين) وصوته هو المقلوب (الى) الجيم وليس (الكمل، وهناك الكثير من اللهجات فيها كلمات مثل هذه .

وفي منطقتنا نهلة فان (مهدا) تعني الطريق، فاذا عرفنا لماذا تستخدم ويمكن تاصيلها فيمكن استخدامها ومشتقاتها بطريقة مقبولة. هذه كانت محاولات يونان هوزايا لانه عرف السبب قبطل العجب. وليس ان سمعنا شي نتصوره غريبا.

وهناك الكثير من الامثلة التي استخدمها مثل

بعا

يدع    التي تتحول الى (يطى ܝܲܛܹܐ )

مشاكل الروكاخا والتقسية،  فآرائه في ذلك انه كان يدعو الى معرفة السبب في  تليين وتقسية الحرف .. وعليه يمكن تبسيط المشكلة ويمكن ان نبسط  اللغة والتقريب ما بين الكوشما واللهجات المحكية.

مثال كلبا  ܟܠܒܐ.. كلوا ܟܠܒ݂ܐ  جلبا.. ܟ̰ܠܒܐ  لكن رسمها الحقيقي هو (كاب ܟ ،  لمث  ܠ،  باء  ܒ) ..

وهكذا عشرات الامثلة التي  ترد فيها احرف التقسية والتليين  (بهدكفة)

بيثا ܒܲܝܬܵܐ  ولكن العقراوي والمركاوي يسميها (بيسا)  والنهلة  يلفظونها (بيشا) واخرون  يبتلعون حرف التاء مثل البازيين (بيا)  والجلوانيين  (بيا)..

اراء رابي يونان اذا عرفنا ان اصل كلمة بيتا هي هذه الحروف فان اللفظ في اللغات المحكية يتغير لقضايا لغوية علمية طبيعية ومنطقية نتيجة تفاعل اللغات وهذه طبيعية في لغتنا العريقة.

حروف العلة لها دور كبير في سماع لفظات مختلفة، ونعتقد انها غريبة او تسبب الكثير من الارباك:  مثل  (بهرا ܒܗܪܐ)    (بيرا)  (بارا)..

(دهوا  ܕܗܒ݂ܐ)- (داوا)  : وهذا يسبب اشكاليات واذا عرفنا السبب تصبح واضحة وبسيطة.

امثلة : هناك في نهلة عائلة لقبها (صارونا).. وعند التدقيق فيها اتضحت انها تصغير لـ (سهرا).. اذن عرفنا مصدرها ويفترض ان تكون (سهرونا)

وهناك الكثير من الامثلة  في التفخيم و اكثر من كلمة  بنفس الحروف ولكن في اللفظ تعطي معاني مختلفة .

مثلا  (بارا) خروف، ويوجد ايضا (برا)  ريش (بارا)  التراب و(بارى ) النقود ، اربعة مفردات بنفس ثلاث حروف ولكن باربع الفاظ مختلفة وبالتالي معاني مختلفة.

(بورًا) المكان السهل الذي يعبر منه بسهولة،  (بورا)  اراض مقفرة وصحراء، (بورا) الفتاة غير المنتجة، كلمة واحدة باربع حروف بثلاث الفاظ مختلفة تعطي ثلاث معاني مختلفة، أي ان اختلاف اللفظ يسبب اشكاليات

 رابي يونان يقول لنفهم ماذا يحدث في اللغة وعندها نفهم المشكلة. ملاحظة: البحث قدمه المحاضربشكل محاضرة ارتجالية وعرض (Presentation) باللغة الام السريانية، ومنها تم ترجمته الى العربية لاغراض هذا الكتاب.

القصة العراقية السريانية المعاصرة, المجموعة القصصية [خبز السواتر] ليونان هوزايا انموذجاً

هيثم بهنام بردى

في حوار أجراه معي طلال حسن ونشر قبل أعوام سألني:

طلال: كيف ترى القصة السريانية، وما هي سبل الارتقاء بها؟

هيثم: في الحقيقة أنا أجهل القراءة باللغة السريانية ولكن ما أسمعه وما أقرأه لقصص مترجمة من السريانية إلى العربية في دورياتنا وصحفنا يجعلني أتساءل: هل هذه هي القصة السريانية حقاً؟

وبصراحة، ما أقرأه إلاّ من بعض القصص التي تحمل في ثناياها نضجاً فنياً واضحاً مثل قصص يونان هوزايا وعادل دنو وروبن بيت شموئيل وبطرس نباتي وسعيد شامايا لا يمكن أن يرقى إلى مستوى القص العراقي إبان الأربعينيات من القرن الماضي، فهي عبارة عن (القصة/ المقالة) التي كان يكتبها (جعفر الخليلي) و (ذو النون أيوب).. وغيرهم. هنا يبرز سؤال: هل أن ما يترجم هو كل القصص؟ فإذا كان هذا صحيحاً؟ فأين يكمن الخلل يا ترى؟ (انتهى)

***

وكان رأيي حينها يعتمد على بعض القصص التي كان يقرأها لي بعض الأصدقاء الأدباء المتمرسين باللغة السريانية من قصص القصاصين الوارد ذكرهم أعلاه، وتبلورت لدي فكرة عما يكتبه هؤلاء القصاصون، فعادل دنو فيما يكتبه باللغة السريانية قد لا يبّز ما يكتبه من قصص في اللغة العربية التي تنم عن موهبة ومراس جيدين، والأمر عينه ينطبق بنسب تتفاوت بين نتاج وآخر فيما ينسجه سعيد شامايا، فبتقديري المتواضع أن ما قُرأ عليّ من قصصه القصار جداً التي أنشأها باللغة السريانية تتوازى فنياً مع ما يكتبه باللغة العربية، وقرأت لبطرس نباتي بعض القصص التي كتبها باللغة السريانية وترجمها إلى العربية، أو بعض القصص التي كتبها أساساً باللغة العربية ونالت بعضها إعجابي لما توسّمت فيها من نضج في الكتابة وجَودة في الصياغة جعلتني أختار إحداها في موسوعتي التي صدر منها أربعة أجزاء والتي وُسمت ب (مبدعون عراقيون سريان)، ولا يمكن أن أًسجل انطباعاً عن روبن بيث شموئيل كوني لم أطلع إلاّ على قصتين أو ثلاث مما كتبه باللغة الأم، وقد أعاتبه في عدم ترجمتها للغة العربية رغم تمكنه من هذا الأمر، وهذا الأمر لا ينطبق على يونان هوزايا، إذ لم يسبق لي قراءة قصصه المكتوبة باللغة السريانية، ولكني كنت قارئاً فيما سبق، قبل ثلاثة عقود لبعض قصصه المكتوبة بالعربية في الصحف والمجلات العراقية، ولكن لم تتبلور لدى ذائقتي القرائية أية إشارة أو ملمح لإبداعه السردي. حتى وصلتني قبل أيام مجموعته القصصية (خبز السواتر) مترجمة من اللغة السريانية إلى اللغة العربية، وبطلب من إدارة الملتقى أن أكتب انطباعاً نقدياً عنها، ولكون ذائقتي قرائية تأخذ من النقد الانطباعي الحّيز الأكبر من النقد الأكاديمي الذي اتجنب ممارسته لعدم امتلاكي أدواته، فأني سأحاول أن أماهي بين هيثم القاص، وهيثم القارئ النخبوي الملم بأسانيد القراءة (النقدية) لقصص المجموعة.

وصلتني ست قصص مترجمة، بعضها ترجمها القاص يونان هوزايا بنفسه، والبعض الآخر تُرجمت من قبل آخرين، ومن خلال قراءتي لها تبين لي كم كان هوزايا متمكناً من اللغة العربية بحيث كانت ترجمته لقصصه من الجزالة والعمق والصفاء وكأنه كتبها بالعربية وليس بالسريانية، فيما اعتور وهن بيّن في القصص التي ترجمت من قبل آخرين ما جعلني أحس أن بها شيء من ملامح هوزايا وليس هوزايا كله، فيما كانت الأخريات تحوز على بعض التوفيق في الوصول إلى تجربة القاص، وهذا الأمر بدا لي واضحاً وجلياً.

القصص التي وصلتني تنقسم إلى:

وسأتناول القصص حسب تجنيسها واضعاً في الحسبان زمن كتابتها كي أقتفى خطى هوزايا السارد في رحلته مع كتابة القصة لرقعة زمنية تجاوزت الثلاثة عقود ونيّف تقريباً.

ففي القصة القصيرة توافرت لدي أربع قصص مذيلة بتواريخ تصاعدية أولها (كان حلماً) كتبها عام 1980 وآخرها (الليلة خمر) عام 2014.

القصة القصيرة

 (كان حلماً)

هذه القصة جمالها في بساطتها، إن كان في الزمان، فهو محددّ بفترة الغروب والغسق، وما يوحي هذا التوصيف من إشارات الانطفاء، أو المكان الذي حدده القاص في قرية (أشيثا) الواقعة في أقاصي (نوهدرا)، على صخرة قرب عين ماء تطل على الوادي، والشخصية الحاضرة المهيمنة على ميدان السرد هي شخصية الراعي العاشق شموئيل، في استذكار رومانسي غاية في الرقة لحبيبته الغائبة (شميرام)، والتي تأخذ مساحة كبيرة في تفاصيل الحدث المتمثل بلحظة تصّوف متدلهة بعشق يكاد يبز عشق روميو لجوليت، أو جنون قيس بليلاه، ولكن هوزايا ينسج نصه المشبع بلغة مشرقة جزلة متشظية... (لماذا أنت صامت حبيبي؟ قل شيئا.. فكلماتك تمترج بدمي، كضياء قمرٍ في قلب ليلٍ حالكٍ.. حدثني.. فصوتك ماء لأرضي العطشى.. وكلماتك لمسامعي كبصيص يراعة في مغارة مظلمة*.. اخبرني عما يدور في خلدك.. عن هواجسك وأحلامك.. عن أفكارك التي جعلت من قريتنا فردوساً، ومن أناسها ملائكة.. حدثني.. فكلماتك لي أنصع من الثلج الذي تتلحفه جبالنا.. وشدة  إيمانك تزرع فيّ كروماً من الأمل..)

جاعلاً من الحبيبة إطاراً محكماً لصورة بهية، تجعل المتلقي في حالة لهاث نحو كلمة الختام، والذي يقود دفتها باقتدار، ليطلع القارئ بانطباع أن ما قرأه ملحمة عشق برع في نسجها ذائقة سارد/ شاعر، يذّكر الذائقة القرائية بقصائد (التروباردو) "1" الشهيرة، في شدوه، والذي يصدمنا في منتهاه بأن ما قرأناه من سفر جميل ليس سوى حلماً.

*

(تبن عتيق)

هذه القصة تنسج نولها على غرار نسيج (كان حلماً)، فهي تشترك معها في الثيمة والحبكة وتوزع الوحدات الأرسطية في مفاصلها، مضافاً إليها البنية الرابعة المتجسدة بالشخصية، فأوريتا هي القرية التي يعيش فيها أبطال القصة، ففيها الفضاء المكاني الذي يضم جبالها الشاهقة وتلولها الشاخصة وبساتينها الممرعة وزهورها ومروجها وثلوجها.... الخ مما تزخر بها تينك الأماكن التي تتميز بخصوصيتها الساحرة، وهي تعج بالثنائيات التي استولدتها ذائقة القاص... (وأنا.. فلاحاً كنتُ.. يعشق الأرض.. يقدس التربة والثمر.. ويهيم بالجمال.. فثنائية الارض والفلاح.. الأم والأولاد.. الحب والعطاء... التضحيات والشوق.. المحصول والثمر.. كلها تجسدت في وجودي.. في أوريتا..

فلاحاً كنت حين كان يقرر شيوخ القرية أن يخرج القرويون ليجمعوا العفص، رجالاً ونساءً.. شباباً وصباياً.. كانوا يطلقون العنان لأرجلهم بحب الى الجبال، كنمل نشيط يتراكض من شجرة لأخرى.. ومن تل لآخر..

وحين يكسو الليل سماء قريتي حباً.. وسكوناً.. ودفئاً.. كان الجميع يعودون إلى أحضان اوريتا تعبين.. منهكين.. حاملين صررهم على اكتافهم، وبغالهم تسبقهم.. وحملٍ ثقيلٍ..). إختار هوزايا أن ينشئ قصته بصيغة ألواح، كل لوح يمهر كينونته ويمهد لكينونة اللوح القادم في تراتبية موفقة ومشوقة، ومن خلال تعاقب ما يتجسد في الألواح من تماهي الزمكان والشخصيات والحدث تتجلى لنا أحداث القصة في حبكة محكمة البناء وثيمة متينة، وهي تتحدث – كسابقتها- عن قصة حب مذهلة تربط بين قلبي الراوي الذي شاء القاص أن يبقيه بدون اسم وبين المعشوقة (سهرا) من قرية (كرما) التي تجاور (أوريتا)، والتي أفضت إلى الذروة المتمثلة بوجود معضلة كأداء مزمنة تتجلى في وجود ثأر قديم بين القريتين أدى إلى قطيعة جليدية أذابتها شمس توالي الزمن الذي يجعل من النسيان فلسفة محتمة، مع وجود القليل جداً من الاستثناءات السلبية والتي شاء الحظ أن يكون والد الفتاة انموذجاً لها (محى أناسها العاديون البسطاء من قلوب كرما وأوريتا ما رسمه الزمان لهما.. إلاّ بضع آثار قليلة.. أبت إلاّ أن تعشش غرباناً في عقول من تلذذوا بتقليب صفحات تاريخ أصفر.. أولئك الذين لم تتلفظ ذاكرتهم تلك البرودة التي غلفت قلبا كرما وأوريتا يوماً من الأيام..)، لتنتهي القصة نهاية توازي القصص التي نسجها الأفذاذ (روميو وجوليت شكسبير- مثالاً)، ولا تتقاطع معها أو تحاكيها أو تقلدها في مطاف الحكاية بل يختمها في جملة ساخرة  تعبّر عن رؤى البطل الواعي ومدى تقاطعه مع الواقع المتواشج في عقول غير متواشجة مع العقلنة...... (سبحنا في بحر عيون أحدنا الآخر.. نضجنا.. ونضج حبنا.. اشتد.. واكتمل.. وحان الوقت كي يتكلل حبنا هذا.. فذهب أهلي.. أهل اوريتا لخطبتها لي.. وأنا انتظر.. والزمن ينتظر معي.. ونايي يتراقص في يدي على ايقاع قدميي اللتين ما عادتا تلتصقان بأرضي.. لم يخطر ببالي، ولو للحظة هاربة من بين يدي الزمان أن يرفض أهلها.. فكيف يقولون "لا" لفلاح مثلي.. نقي كنسمات الصباح..

لم أكن أعلم أن والدها هو من اولئك الذين يقلبون في الكتب القديمة..

 و ممن يذرون التبن العتيق..). وفي الهامش تتضح استعارة التبن العتيق... (ذر التبن العتيق: مصطلح بالسريانية تقال لمن يبحث عن أمور تافهة أكل الدهر عليها وشرب، أو لمن يتحدث هراءاً..).

*

(الثالوث)

هذه قصة مكان بامتياز، فهي تدور رحاها في ثلاث شواخص مكانية (نهر، جسر، كوخ) وفي إطار هذا الثالوث المكاني المرموز تتحرك الثيمة من خلال الشخصية.

شخصية رجل أشيب فقد ابنه في الحرب إثر حلم، كان تفسيره نقيض ما حدث للإبن (الغائب في القصة والحاضر بقوة في وجدان الأب ووجدان المتلقي أو القارئ) وكأن هذا الثالوث والأب المفجوع يشكلون من خلال تعاضدهم الأسطوري إطار الصورة التي يتسيدها الإبن الغائب/ الحاضر، والذي تتمحور حول هاجس قدومه من جديد في أية لحظة، ليس من خلال حلقات الدخان التي تتشكل في الفضاء المحيط بهامة الأب إثر حرق مهجته بمهجة سيكاره الحزين بل من خلال تواثب الحياة وموارها، وليس من خلال (بينولوبي)"2" وهي تنسج صورة (عوليس)"3"، ولكن من خلال اصرار عوليس على تخطي النوائب كي تكتحل مدينته (ايثاكا) بهامته، وهكذا هو حال الأب... المرادف لبينولوبي، وهو ينسج دقائق الزمن من خلل الأمل في عودة ابنه من مطاوي الرقاد الأبدي، نحو فضاءات الحياة والمكان، مكانه الأثيري النهر، الجسر، وكوخه الذي سيزدهي بشهيقه وهو يعطر كل زاوية وعطفة من حجراته (في كل يوم، قبل أن تقبّل أشعة الشمس شفاه دجلة، ينزل العجوز وعكازه بيده إلى حيث أطلال ذاك الجسر، لينظر نشاطاً يشبه النمل، يتأمل الناس وهي تذهب لأشغالها.. هناك يسمع صوت المكائن والرافعات ومولدات الكهرباء وآلات قص الحديد ومكائن الخلط واللحيم والجرافات.. كلها كانت تفجر سكون الصباح..

كان العم نيسن، يمتع ناظريه بكل ذاك المنظر، وحين كانت تقع عيناه على الضفة الأخرى للنهر كان يمد يده في كيسه ليخرج سيكاراً يدخنه.. بينما قطرة صافية تلمع في مقلته..)، لتنتهي بنافذة يشرعها هوزايا إزاء الحزن والألم (غداً سيبنون الجسر من جديد.. وستعود الحياة لساقَي العجوز.. وسيعبر للضفة الأخرى.. هناك حيث الذكريات وآثار الأقدام.. هناك حيث الجدران العارية، الفارغة، الباردة، الخالية من كل دفء.. المفتوحة للسماء.. سيدخن سيكارتين أو ثلاث.. وتنهمر بعض الدموع من مقلتي عينيه.. وقت صلاة الرمش.. غداً سيحتفل بالعيد.. سيذهب جيئة وذهاباً فوق الجسر إلى أن ينام الظلام على صدر الخليقة..)

وإزاء هذا السرد المحكم والشفاف لقصة جميلة اجترحتها ذائقة قاص يعرف مكامن الفن القصصي جيداً، يمكنني أن أقول أن (الثالوث) قصة عراقية سريانية تمتلك من المقومات والمواصفات ما يمكن عدّها أيقونة القص السرياني المعاصر.

*

(الليلة خمر)

القصة السير غيرية لها خصوصيتها وملامحها وسماتها في خارطة السرد (القصة القصيرة، الرواية)، ومنها أنها ترصد حياة، أو حقبة من حياة انسان له بصمته الاجتماعية والثقافية والمعرفية، وقد تكون عن إنسان مهمش ولكنه يحمل من السمات والإجتراحات ما يجعل السارد يقتنصه في نص قصصي أو روائي فريد، والذائقة الحسية العالية ليونان هوزايا ما شاءت أن تذهب اللحظات الخيرة من حياة إنسان استثنائي تذهب الى أقاصي النسيان فآثر أن ينقلها عبر الذاكرة الى الصحائف، فكانت اقتناصاً لدقائق ولحظات تطوي فيما تطويه في جريانها السريع لحظات احتضار ورحيل أحد الأعمدة السردية العراقية والتي قدمت للأدب السرياني خدمة لا يمكن ان تعوض في نشره وتعريفه للفضاء الإبداعي العراقي عبر الحلقات الدراسية الأربع الزاخرة بالعطاء التي اقامها وهو يتبوأ إدارة المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية، ابن هذه البلدة التي كتب عنها ملحمة عراقية فذة أسماها (عمكا) تيمناً باسم (عنكاوا) الأثيلة، وقفت كتفاً لكتف مع قاص عراقي فذ اسمه محمد خضير سيرة اقتنص سيرة مدينة من أعطاف التاريخ  وسكب روحها  في قارورة أسماها (بصرياثا)، فكان خير ابن لمدينته، مثلما كان القاص والروائي العراقي السرياني الكبير الدكتور سعدي المالح خير ابن لمدينته التي أحبها حباً جماً.

ينشئ هوزايا قصته على شكل وحدات بنائية متقابلة تتتابع في سردها ثلاثة أصوات هي لأناس حقيقيين وهم من الأدباء والفنانين... ففي الأول يحضر يونان هوزايا، وهو يصف لنا صاحب (قفا نبك) ويسقطه على الحاضر المتجسد بالشخصية المحورية، في منادمة له مع بعض الأصدقاء في قاعة مناسبات يصلي فضاءها سركون بولص وهو يبحث عن مدينة أين ليجدها في الجالغي البغدادي والمقام العراقي اللذين يجعلان (المناضد والمقاعد تهتز.. و"الأقداح والمواعين" تتمايل مع النجوم..)، وفي الثاني يتسقط في وصف حزين موتور اللحظات الأخيرة لرحيل سعدي المالح، في جمل برقية سريعة تشي بحزن عميق يلهج بها كل من (فأيو – بطرس نباتي) و (صفرو- صباح هرمز)، وهما أديبان وفنانان معروفان، وهما بإحساس كلكامش يعيشان اللحظات الحاسمة لوفاة صديقة انكيدو، ليعلنا لليل السادر(عندها لاحظ أصدقائه خموده.. وانكفأت الشمس تحت الغيوم.. التفتنا إلى بعضنا..  من يخبر بلدته عنكاوا الرئة التي كان يتنفس بها).... واللوح الثالث يختمه هوزايا ليفتح جرحاً مفاده وهو يتلقى وسط صخب اصدقاءه الندماء الثلاثة وصوت الموسيقى الصاخبة... (مر أمام ناظري شريط سينمي.. حلقات دراسية قي عنكاوا ومدن أخرى.. وكم من أساتذة الجامعات.. ومن الأدباء والكتاب من أبناء شعبنا شاركوا فيها.. رغم أن الثقافة والفنون يشكلان نهراً عميقاً، إلاّ أنه امتلك السباحين) ليتذكر القاصيونان هوزايا (صاحب ال قفا نبكي) مختتماً بها قصته الجميلة.

*

(خبز السواتر)

والقصة القصيرة جداً

القصة القصيرة جداً جنس أدبي يندرج بالتأكيد ضمن جنس القصة، ولكن ولادته تأخرت عن صنوها القصة القصيرة بأربعة قرون تقريباً، متلفعة ببعض السمات التي تعطي خاصيتها منها وكما أوردت في كتابي الموسوم (القصة القصيرة جداً/ الريادة العراقية) الصادر عن دار غيداء للنشر والتوزيع في عمان بالأردن العام الفائت:

الزمان: لمحة قصيرة، أو ساعة، أو يوم وبعض يومٍ.

المكان: يتحدد المكان بأبعاد مادية لا تتعدى غرفة أو حيّز من حقل.. الخ.

الحدث: يفضل أن يكون محصوراً في مسألة واحدة وشأن محدد.

المقدمة: لا تزيد عن سطر أو سطرين أو أربعة اسطر على أكثر تقدير.

الذروة: يفضل أن لا تتجاوز ثلاث أو أربع حوادث أو أن تكون ضمن مشهد واحد.

النهاية: يجب أن تكون برقية متركزة في بؤرة واحدة وان تثوّر ذهن المتلقي.

الطول: أجمع جل المنظرون والنقاد أن انسب طول للقصة القصيرة جداً هو أن يتراوح طولها بين 500 ـ 2000 كلمة.

زاوية السرد: من المفضل أن يتقيد القاص بوجهة نظر واحدة.

الوصف: يجب الاقتصاد الشديد في الوصف.

وبعد كل هذه السمات الأساسية التي تؤطر هذا الجنس الأدبي الصعب، لنا أن نتأمل النص الوحيد الذي كتبه القاص هوزايا ضمن هذا الفن، والذي وسم مجموعته القصصية بها والصادرة في شيكاغو عام 1998، والذي جعلتني أندهش من هذا السبك المتمكن والدراية التامة بتقانات جنس القصة القصيرة جداً، فلن أقول أكثر من أن (خبز السواتر) حازت على كل اشتراطات القصة القصيرة جداً، ويقينا لو كنت اطلعت علها قبل أعوام لكان الجزء الثاني من سلسلة (مبدعون عراقيون سريان) الخاص بالقصة القصيرة جداً مزدهياً بها... ولن أشرح تفاصيلها خشية إفساد جماليتها، بل أدعوكم إلى قراءتها....

(الهجرة)

وأدب الطفل

سأجتزئ هذ التنصيص حول مفهوم أدب الطفل ومراحله هذه السطور من كتاب (أدب الأطفال.. فلسفته، فنونه، وسائطه) لهادي نعمان الهيتي الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالاشتراك مع دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد ضمن مشروع الألف كتاب الصادر عام 1986 حول المراحل العمرية في أدب الطفل التي أوردها في الصفحة 18 منه.

(أما هذه المراحل فهي:

  1. مرحلة الواقعية والخيال المحدود: وتشمل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث إلى خمس سنوات
  2. مرحلة الخيال المنطلق: وتشمل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ست إلى ثماني سنوات
  3. مرحلة البطولة: وتشمل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثماني أو تسع سنوات إلى إثنتي عشرة سنة.
  4. المرحلة المثالية: وتشمل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين إثنتي عشرة سنة إلى خمس عشرة سنة.)

ولو أخضعنا قصة يونان هوزايا الموسومة (الهجرة)  للمعيار القرائي الدقيق لوجدناها تنتمي إلى جنس أدب الطفل وتحديداً ل... (المرحلة المثالية) من أدب الطفل، وهي من أعسر صنوف الكتابة  في هذا الجنس الإبداعي نظراً لحراجة وخصوصية الفئة العمرية المخّاطّبة، فهي رحلة تغادر "مرحلة البطولة" بما تعج بها من إشارات ودلالات ومعطيات ساكنة نحو "مرحلة التقصي" بكل ما تعج بها من إشارات ودلالات ومعطيات غير ساكنة تجعل المتلقي في هذه المرحلة العمرية الحرجة، القلقة، الباحثة، يستنبط الرسالة الإنسانية التي يحملها النص المكتوب، ومدى نجاحه فيما يثوره من أسئلة عن كنه الحدث والحبكة، والاجتهاد في فك مغاليق الواقع.

ففي (الهجرة) ثمة خطان متوازيان، والخطوط المتوازية بما هو معروف عنها في علم الرياضيات، انها لا يلتقي قط، ولكن في الأدب ليس ثمة أمر محال، فمن الممكن أن يتحول المحال إلى حال....

الخط الأول يتمثل بأحد قطبي الوجود الممثلان بالخير والشر، يتجسد في شخصية (الغراب- الغربان) وعادة ما يمثل الشر بما جاءتنا من أخبار وكتب الأولين من سجايا تنزع نحو القطب المضاد للجمال والتي يمتلكها وبحسب المتداول والشفهي هذا الطائر... (... الأفق الذي ملأه نعيق الغربان وهي ترحل ضاحكة على كل شيء.. وساخرة من كل شيء.. وبرعونة لا مثيل لها.. تمزق سكون السماء بزعيقها..).

الخط الثاني يتجسد في العصفور الصغير وعادة ما يمثل بما جاءتنا من أخبار وكتب الأولين من سجايا تنزع نحو القطب المضاد للقبح والتي يمتلكها وبحسب المتداول والشفهي هذا الطائر... (سَمَعَ موسيقى.. تَجَمَّعَت الألحانُ، أقبلت الأشعارُ...حَمَلَ جَسَدهُ المُنهَكُ، مترنحاً من جانبٍ لآخر، مشى.. حتى وصلَ لأوريتا، التي على وجهها كتب تاريخه..، وعيناهُ تودعان كُلِّ زاوية من المكان، محدقتان... وبحُنجُرتهِ التي تخنُقُها الدموعُ، نَظَّمَ قصيدةً، و ألحاناً شجيةً..)، وما بين هذين الخطين ينسج هوزايا قصته التي خصصها للفتيان بتلك اللغة العصية والصعبة التي تحاول أن تماهي بين (مرحلة البطولة) التي تتميز بسماتها الخاصة وعوالمها المتفردة، و(المرحلة المثالية) التي تتميز بنزعتها المتخلية عن عوالم الطفولة وولوغها عالم الكبار، وهي حيّز من مكان محفوف بالمصاعب لا يستطيع أن يجتاز فخاخه ومطباته إلاّ قلم متمرس وذائقة ابداعية مدربة، وقد أفلح هوزايا في مسعاه، ومقتفياً خطى أساطين الحِكَمْ والأمثال الكثار عبر العصور ونذكر منهم (أحيقار الآشوري) و(آيسوب الأغريقي) و(بيدبا الهندي)، وغيرهم الكثير... يختم هوزايا قصته بحكمة بليغة: "ان الارض التي تُسقى بالإيمان والكفاح تعطي ثمراً.. اليوم.. الآن.. وإلى الابد.. فالعمل هو ملح الحياة..".

***

وختاماً ... إزاء محاولات يونان هوزايا القاص الشاب الذي لا يرقى عمره إلى الثلاثة عقود ويكتب بداياته في جنس القصة، في مستهل العقد الثمانيني من القرن الفائت، وبهذا التمكن، وفي لغة أصيلة قلما خاض غمار كتابة هذا الجنس من قبل الأدباء، على قلتهم، ولم يومض في سماء الإبداع السردي السرياني وميض يجلي دياميس الخواء، ومحاولة تطوير أدواته رغم قلة ما كتب، وجلّها القصص التي وردت بين دفتي مجموعته القصصية (خبز السواتر) الصادرة عام 1998 في شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية ، يمكنني أن أستخلص ثلاث إشارات مهمة:

الثالثة: أستطيع أن أقول... بأن القصة السريانية القصيرة استطاعت أن تقدم نفسها من خلال تجربة القاص يونان هوزايا، ولكم أن تتخيلوا مدى التعديل الذي سأجريه على جوابي لسؤال المحاور طلال حسن.

الثانية: أستطيع أن أؤكد وبلا تردد أن القصة المكتوبة باللغة السريانية تقف جنباً لجنب إزاء التجارب الناضجة المتمرسة باللغات الأخرى.

والأولى: أستطيع أن أدوّن بأنه... لو استمر القاص يونان هوزايا في كتابة القصة باللغة العربية، والتي أجادها بشكل محكم، لكان سجل لنفسه إسماً لافتاً في ذاكرة القصة العراقية المكتوبة باللغة العربية.

************

 

 

الملحق

قصص يونان هوزايا

القصة القصيرة

كان حلماً

هذه كانت كلمات شميرام على مسامع حبيبها شموئيل، ذاك الراعي الصامت صمت قريته "اشيتا" التي تحتضنها الجبال من حيث تغرب شمسها الصافية معانقة بعضها البعض حتى تصل إلى شمالها..

تعلقت عينا شموئيل بوجهها، وظل يتأمل جمال شعرها المنسدل أمام عينيها كالسهل الذي يفترش مشرق قريته الخلابة..

حينذاك رفع شموئيل عينيه وقال:

حينها أخذ رأسه ووضعه في احضانها..

نسي الراعي الشاب نفسه.. اخفض عينيه. وبدأ يغني:

كلما ضاق بك الانتظار..

وذكرى حبيبك تسكب خمرتها أمام عينيك..

أنظريه كطير صغير..

يملأ جناحيه عطراً..

في عالم السحاب،

يشدو عالياً..

كلما ضاق بك الانتظار..

وذكرى حبيبك تسكب خمرتها أمام عينيك..

أنظريه كطير صغير..

من بين غيوم.. حل

في كروم.. حل..

ليرتشف من عشقٍ نصيبه..

أنظريه كطير صغير..

أجنحته القصيرة،

ملأى برمان..

إلتهب فوقها..

احمرارأ

قلب عاشق.. متيم..

كلما ضاق بك الانتظار..

وذكرى حبيبك تسكب خمرتها امام عينيك..

سأمد جناحيّ..

لأمسح عن شفتيك..

ذاك الضباب..

ونار اغنياتك..

سأحرس عينيك

السوداوين

مصدر قوتي..

وبشارة السلام..

حينها .. استيقظ على نباح كلبه الحارس.. استيقظ واستيقظت معه كل هموم غربته.. فوجد نفسه على صخرة قرب عين ماء، رفع رأسه فوجد قطيعه قد انتشر في الوادي.. ونايه قد وقع من بين يديه..

نزل يفتش نبع الماء، ورمل البحر، وما بين الصخور.. وظل الشجرة الملتفة.. باحثاً في كلها.. عن وجه شميرام..

لكنه كان بعيداً.. بعيداً جداً..

بل أنه كان حلماً..

بغداد 1980

المؤلف استخدم مفردتي: مغارة واسطبل هنا، لكنا فضلنا إبقاء مفردة واحدة وهي المغارة.

تبن عتيق

اللوح الاول

أوريتا.. قريتي التي فيها يكتمل سحر الطبيعة.. المنسوجة بالمزروعات التي كست أرضها خضرة لا مثيل لها.. في وديانها.. في سماءها.. كانت ملأة بأشجار عملاقة، عتيدة، جبارة، كجبروت رجالها... دلب.. جوز.. رمان.. بطمّ.. حورٌ وصفصاف..

كانت بقعة ً تحتضنها جبالٌ شاهقة.. عتيدة، غنية.. كغنى معلميها الغزيري الحكمة والثقافة.. تنبع من قلبها عيون ماءٍ صافٍ.. كصفاء عيناك حبيبتي.. وعمق صمتهما.. مروجها واسعةٌ شمّاء.. وسهولها خضراء..  يكسوها الثلج حيناً.. والوان الورود.. والزهور.. حمراء.. وصفراء أحياناً.. وأطفال في عيد كالو سولاقا.. أحياناً أخرى..

اللوح الثاني

وأنا.. فلاحاً كنتُ.. يعشق الأرض.. يقدس التربة والثمر.. ويهيم بالجمال.. فثنائية الارض والفلاح.. الأم والأولاد.. الحب والعطاء... التضحيات والشوق.. المحصول والثمر.. كلها تجسدت في وجودي.. في أوريتا..

فلاحاً كنت حين كان يقرر شيوخ القرية أن يخرج القرويون ليجمعوا العفص، رجالاً ونساءً.. شباباً وصباياً.. كانوا يطلقون العنان لأرجلهم بحب الى الجبال، كنمل نشيط يتراكض من شجرة لأخرى.. ومن تل لآخر..

وحين يكسو الليل سماء قريتي حباً.. وسكوناً.. ودفئاً.. كان الجميع يعودون إلى أحضان اوريتا تعبين.. منهكين.. حاملين صررهم على اكتافهم، وبغالهم تسبقهم.. وحملٍ ثقيلٍ..

اللوح الثالث

هناك.. في الوادي المحاذي لأوريتا.. تلاقت أعيننا.. وتسمرت قدماي في الساقية، لم أشعر بما دار حولي.. ولم أعلم ن بغلي المسكين كان قد وصل القرية دون أن ينتظر قدميّ ليفك أسرهما.

سهرا، هي من أسرت قلبي وملأت عقلي.. فمنذ ذلك اليوم ومحياها قد عشش في ثنايا عقلي.. واسمها حفر لنفسه أثراً عميقا في ذاكرتي.. سهرا.. منذ ذلك اليوم وهي لم تعد تفارق روحي وذاتي.. في أحلامي.. في نومي.. في عملي.. وفي كل لحظة من حياتي..

 سهرا.. هي من اختارتها روحي كي تكون غصن زيتون يزهو.. ويزهر.. وجودي..

اللوح الرابع

أحببت سهرا، تلك الفتاة الجميلة من (كرما)، القرية الصغيرة القريبة جداً من قريتي (اوريتا)، كقرب قلبي وقلبها.. بل أن القريتين كانتا واحدةً.. كما كان قلبانا واحداً.. فاوريتا كانت تتربع على إحدى جوانب المرج.. تحتها وادٍ عميق.. أما كرما فكانت رابضة على رأس التلة في الجهة الاخرى للمرج.. كسنبلتين فوق غصن حنطة كانتا..

 كلتاهما ماطرتان.. مثلجتان.. فيهما عيون ومراعٍ.. مليئتان بالأشجار والثمر.. كرما وأوريتا تشرق عليهما شمسٌ واحدة.. إحداهما عين اليسار.. والأخرى عين اليمين..

اللوح الخامس

منذ قرون خلت، وفي غابر الازمان، حدث تغيير كبير فرّق بين كرما و اوريتا، ورسم حدوداً بين حقولهما .. وزرعهما، ورسم  معه حقداً في قلوب بعض اناسهما، كان هذا منذ قرون خلت..

لكن الزمان كان أقوى من كل تلك الحدود.. وكان كفيلاً بأن يمحو كل عائق بينهما.. بل أنه كان كفيلاً بأن يمحو كل شيء.. فجدد ابناءهما وأحفادهما كل شئ.. فزرعوا بدل الحواجز بذورا انسانية.. إزهرّت روابط حبٍ ومودة... وجيرة حسنة.. أثمرت غيرة قروية..

محى اناسها العاديون البسطاء من قلوب كرما وأوريتا ما رسمه الزمان لهما.. إلاّ بضع آثار قليلة.. أبت إلاّ أن تعشش غرباناً في عقول من تلذذوا بتقليب صفحات تاريخ أصفر.. أولئك الذين لم تتلفظ ذاكرتهم تلك البرودة التي غلفت قلبا كرما وأوريتا يوماً من الأيام..

اللوح السادس

تقارب قلبانا .. وروحانا.. وكيانانا.. انا وسارة، فعشقنا بعض.. وهمنا ببعض.. جلسنا على حافات الينابيع.. تحت ظلال الدلب والجوز.. وعلى حافات السواقي.. تحادثنا.. وتناقشنا.. كيف.. لماذا.. ومتى..

سبحنا في بحر عيون أحدنا الآخر.. نضجنا.. ونضج حبنا.. اشتد.. واكتمل.. وحان الوقت كي يتكلل حبنا هذا.. فذهب أهلي .. أهل اوريتا لخطبتها لي.. وأنا انتظر.. والزمن ينتظر معي.. ونايي يتراقص في يدي على ايقاع قدميي اللتين ما عادتا تلتصقان بأرضي.. لم يخطر ببالي، ولو للحظة هاربة من بين يدي الزمان أن يرفض أهلها.. فكيف يقولون "لا" لفلاح مثلي.. نقي كنسمات الصباح..

لم أكن أعلم أن والدها هو من اولئك الذين يقلبون في الكتب القديمة..

 و ممن يذرون التبن العتيق..

1989

كالو سولاقا: احتفال كان يقام في القرى الكلدو اشورية بمناسبة عيد صعود الرب.

ذر التبن العتيق: مصطلح بالسريانية تقال لمن يبحث عن أمور تافهة أكل الدهر عليها وشرب، أو لمن يتحدث هراءاً..

الثالوث

النهر، الجسر، الكوخ..

ثلاثة عناصرٌ تربطها لهفةٌ.. شوقٌ.. وهيام.. حبلى بسكائرٍ.. والاف الحسرات..

العم نيسن، ذاك الشيخ العجوز.. الذي قشطت سني العمر لحمه عن عظامه.. بعينيه الحمراوين الغائرتين في جمجمته، وصوته الخافت المبحوح،  عكازه لا يبارح يده.. وكيس التبغ لا يفارق جنبه..

كان العم نيسن يحل ضيفا على الجسر كل يوم، يجلس تحت ظلاله على شاطئ دجلة، متأملاً تلك الأكواخ المهدمة أمام ناظريه على الضفة الأخرى للنهر..

كانت قد مرت أعوام منذ أن أسره ذاك الحلم الذي أرعبه.. إذ كان قد رأى ولده شموئيل وهو يجر وراءه إحدى قدميه.. وحين اقترب ومسها، عرف أنها من ذهب. ومن حينها أصبح كل أقاربه ومعارفه يقولون له:

تأمل خيراً.. وليكن لك رجاءٌ بما هو صالح..

لكن..

ما كان قد مر على ذاك الحلم سوى شهر واحد، حتى انتشر الخبر بسرعة البرق عن أن شموئيل قد جرفه تيار نهر الكارون غرب ايران، ومن حينها والعم نيسن يقطع الجسر كل يوم سيراً على الأقدام، ليصل إلى الضفة الأخرى لدجلة.. ويقف بين تلك الأكواخ المهدمة التي كانت إحداها يوما.. لولده.. ينفث هموم صدره مع دخان سيكارتين.. أو ثلاث.. ويطلق العنان لمقلتي عينيه، لتدمعا قطراتٍ تحرق الأكباد.. يعود بعدها أدراجه.. محتضناً بيته من جديد.. متأملاً من نافذته ذاك لثالوث المقدس.. النهر والجسر والكوخ..

في أحد الأيام، ارتعدت السماء رعداً مهيباً - لم يكن هذا بالشئ الغريب في شتاء قرية العم نيسن-  لكن الغريب إن ذاك الرعد لم يكن طبيعياً.. بل كان رعدُ وقوع ذاك النمر العتيد.. الجسر الكبير.. الذي سقط سقوطا مدوياً مدد أطرافه في النهر، وأغرقه تحت الماء..

لم يعد هناك جسرٌ..

ولم يبق للعجوز ما يحمل قدميه اللتين يتعكز عليهما جسده المثقل بالهموم.. سوى ضفة النهر.. هي كل ما تبقى له.. يجلس عليها، تحت أطلال صديقه، ذاك الجسر المحطم.. مقابلاً تلك الأكواخ المهدمة العارية، مدخناً بضعة سكائر، نافثاً لحسراتٍ تحرق حتى النهر!!

في كل يوم، قبل أن تقبّل أشعة الشمس شفاه دجلة، ينزل العجوز وعكازه بيده إلى حيث أطلال ذاك الجسر، لينظر نشاطاً يشبه النمل، يتأمل الناس وهي تذهب لأشغالها.. هناك يسمع صوت المكائن والرافعات ومولدات الكهرباء وآلات قص الحديد ومكائن الخلط واللحيم والجرافات.. كلها كانت تفجر سكون الصباح..

كان العم نيسن، يمتع ناظريه بكل ذاك المنظر، وحين كانت تقع عيناه على الضفة الأخرى للنهر كان يمد يده في كيسه ليخرج سيكاراً يدخنه.. بينما قطرة صافية تلمع في مقلته..

غداً سيبنون الجسر من جديد.. وستعود الحياة لساقَي العجوز.. وسيعبر للضفة الأخرى.. هناك حيث الذكريات وآثار الأقدام.. هناك حيث الجدران العارية، الفارغة، الباردة، الخالية من كل دفء.. المفتوحة للسماء.. سيدخن سيكارتين أو ثلاث.. وتنهمر بعض الدموع من مقلتي عينيه.. وقت صلاة الرمش.. غداً سيحتفل بالعيد.. سيذهب جيئة وذهاباً فوق الجسر إلى أن ينام الظلام على صدر الخليقة..

بغداد 1994

الليلة خمر

قصة قصيرة مهداة لروح الفقيد:  د. سعدي المالح

كتبها بالسريانية وترجمها: يونان هوزايا

(1)


"الليلة خمر وغداً أمر".. قالها لأصدقائه الندامى الشاعر صاحب "قفا نبكي".. أما نحن فلم نبك بل ضحكنا حتى تطايرت الدموع من مآقينا!!.. هل نعرف وجهة الأديب الراحل "سركون بولس" في "إلى مدينة أين"..-أعتقد نعم!.. إنه كان يبحث عن "جالغي بغداد".. والمقام العراقي..  وهنا شرع فريق الـ "جالغي" يعرض مهاراته.. فمروا كظل أو غيمة فوق  مذبح الأغنية.. وإمتصوا رحيق "هذه ليلتي".. ونثروه في الفضاء.. أية ليلة هذه.. التي عندما "تسكن".. يملأ جلبابها الرجاء وتختزن فيها الأحلام.. هم هللوا بصوت البوق.. وبالعود والقيثارة.. وبكل النسمات نحن هللنا للرب.. وإستمرت العوائل تتقاطر.. وإستمرت جوقة الـ جالغي تبث الروح في ثنايا الليل.. فكادت المناضد والمقاعد تهتز.. و"الأقداح والمواعين" تتمايل مع النجوم..
  

(2)


إسبوع أو أسبوعان ويشتد الألم ويحط به الرحال في بيروت.. لكنه لا يهدأ!.. أصدقاء وحوارات.. وأفكار ومشاريع.. وأسبوع أو أسبوعان.. وأشياء تغدو طقوساً يومية.. فنتساءل: ما أخبار الدكتور.. هل داوم في مكتبه؟ أما صديقاه الأقربان "فأيو و صفرو".. فلقاءاتهم تكررت صباح مساء، وبناءاً على طلب الدكتور.. يصحب هذه اللقاءات فحص الدم، الضغط، الأدوية التي يتناولها.. ذلك المساء لم يكن كغيره.. يرن هاتف "صفرو".. إنه "فأيو"..  "قد تصل.. وقد لا تصل!!"..أطبق "صفرو" جفنيه عسى أن يكون ذلك حلماً.. وعسى أن تمر هذه الكأس العلقم.. إلاّ أنه – وبعد هنيهات- ضرب كفاً بكف.. عندما شاهد صديقه قد ترجل من صهوة جواده.. وها هو ممدد أمامه..   لم يمت أنكيدو إلاّ عندما أوشكت آفاق صداقته مع كلكامش أن تكتمل.. أو بعد أن صارح ذاته.. أو صارحنا ذواتنا كاصدقاء.. هكذا تنضج وتكتمل الصداقة.. حاول "صفرو" أن يقول شيئاً.. إلاّ أن بعضهم حبذ أن لا يسمع صوته المبحوح.. رابي قل ما تشاء.. أو لا تقل.. فإننا نقرأ الممحي.. وماذا تقول أهم من: "أن رواية عمكا رواية قومية".. ارتجف "صفرو" إلاّ أن الدكتور لم يرتجف رغم الصعقة الكهربية.. عندها لاحظ أصدقائه خموده.. وانكفأت الشمس تحت الغيوم.. التفتنا إلى بعضنا..  من يخبر بلدته عنكاوا الرئة التي كان يتنفس بها..

(3)

إستمر هاتفي المحمول يدق.. إنهم أهلي.. لم أعر له الأهمية.. فالصوت المرتفع للفرقة الموسيقية لن يسمح لي بسماع شيء!!.. حوالينا الأجواء إحتفالية.. كل شيء يتناغم مع أيقاعات الفرقة.. وإنتظرت أن تنتهي "يا صياد السمك"..-   هلو..  إذا كنت تسمعني فإن الدكتور قد توفى.. تأكدت من الموضوع.. وظل الهاتف في يدي.. مر أمام ناظري شريط سينمي.. حلقات دراسية قي عنكاوا ومدن أخرى.. وكم من أساتذة الجامعات.. ومن الأدباء والكتاب من أبناء شعبنا شاركوا فيها.. رغم أن الثقافة والفنون يشكلان نهراً عميقاً، إلاّ أنه امتلك السباحين، واليوم فالذي يمتلك كل هذا الحب للغتنا وأدبنا وشعبنا الموحد.. ويتصدى لنشاطات ذات مستوى.. ذلك هو السباح.. ظل الهاتف في يدي!!.. ونظرة خاطفة لأصدقائي الثلاثة الذين معي.. لاحظت إنسجامهم مع أجواء النادي.. إلا أنني لن أنسى ما سمعت.. وعلي أن أخبرهم بما حدث.. وأتركهم وأتذكر أيضاً صاحب الـ "قفا نبكي"..

أربيل: 9 – ايار - 2014 

القصة القصيرة جداً

خبز السواتر

مقدمة

فارع الطول، بشَرَته بلون سنابل حنطة ذهبية.. جسده مفتول،  قوي.. مزهو بالزي الخاكي.. أما والدته فنحيلة الجسم.. ضعيفة البنية.. قامتها متوسطة، وجهها أبيض ملئ بسواقي العقد الخامس.. مكفّنة بثياب سوداء..

نص

قال هذا وهو يمضغ قرصة خبز مغطاة بالسمسم.

لوحة

واقفة هي أمام التنور، تخبز.. حين اقترب منها النعش الذي يحمل جسده .. المكفّن بالعلم الحبيب.. تعالت اقراص الخبز في السماء متراقصة على صوت الزغاريد.

***

أدب الطفل

الهجرة..

     "لا عمل بعد اليوم”

كان هذا هو الشعار الذي رفعه الغراب وهو يحرق السنابل التي زرعها بالأمس، في أرض فلحها بنفسه، وسقاها من عرق جبينه..

( 1 )

على رأس صخرة كبيرة جلس العصفور الصغير متأملاً المرج، ناظره، متفحصاً الأفق الذي ملأه نعيق الغربان وهي ترحل ضاحكة على كل شئ.. وساخرة من كل شئ.. وبرعونة لا مثيل لها.. تمزق سكون السماء بزعيقها..

تمتم  العصفور قائلا:

لكنَّ الحقيقةَ التي لمْ يُدرِكَها أنَّ تلكَ الطيور التي رآها مهاجِرةً، كانت قد دخلتْ أعشاشها لاقتناء لقمة العيش التي قد تظفر بها، إلاّ أنها خرجتْ خالية الوفاض..

أولئك الذين جَفَّتْ جعبهم، اليوم قد ظُلِموا وأُقنِعوا بُهتاناً.. بل دُفِعوا عنوةً، لترك أطفالِهم تحت مخالب وظلم الزمان، يتذوقون آلامه..

تركوا أوطانَهم، أعشاشهم، ورحلوا في طريقٍ رسمه لهم ملوك العالم الغريب .. أولئك الذين رفعوا شعاراً لنظام حياة جديدة ..غريبة: حيث " رفاهية دائمة.. عش زاهٍ جميل.. بلا أشواك.. بلا ملل.. وبلا عمل!!

شيءٌ غريبٌ، مخيفٌ، يحتاجُ إلى وقفةٍ و تَبَصُّرِ..

(-  ترى كيفَ ستكونُ الحياةُ التي يبتغيها الغرابُ..؟ )

تَمتَمَ العُصفورُ الصغير

  و مجموعةٌ أُخرى ذهبتْ و مَرَّتْ مِنْ هُناكَ..

.... و أخيراً شَدَّ حقائبَ الرحيلِ.

( 2 )

 لَمْ يُدْرِكَ العُضفورُ الصغيرُ أنَّهُ بإرادتهِ، وبقراره هذا كان قد رمى نفسه  في بحرٍ عميقٍ.. في وجهةٍ لا يَعْرِفُ عنهُا وفيها سوى.. التضحيات..

( 3 )

 سَمَعَ موسيقى.. تَجَمَّعَت الألحانُ، أقبلت الأشعارُ...حَمَلَ جَسَدهُ المُنهَكُ، مترنحاً من جانبٍ لآخر، مشى.. حتى وصلَ لأوريتا، التي على وجهها كتب تاريخه..، وعيناهُ تودعان كُلِّ زاوية من المكان، محدقتان... وبحُنجُرتهِ التي تخنُقُها الدموعُ، نَظَّمَ قصيدةً، و ألحاناً شجيةً..

وفي وقت الوداعِ.. شلت قدماه، عُقِدَ لِسانهِ، و أنهَكَت جناحاهُ الذكريات، و حينَ وصلَ للمقطعِ الأخيرِ .. كانت كلماتهُ صعبةً على أُذنيهِ و مريرةً في حنجرتهِ أثقّلَت مُقلتيهِ:

كيف سأهجر المرج...

كيف سأنسى هذا العطر..

سأخرج من جنتي..

وعن هذا الجمال سأفترق؟؟

( 4 )

رحل العصفور.. ووصل إلى عالمه الجديد.. إلى ذاك البحر الذي لا يعرف السكون.. تذوق مرارةً .. قساوةً.. و ألم.. مرت به الأيام.. وأضحت شهوراً وسنين.. وهو كما هو.. غارقٌ في دوامة غربته.. إلى أن أسره ذاك الصوت الذي سمعه في حلمه.. صوت الجداول والسواقي في وطنه وهي تغني:

     تفتحت ازهار الربيع..

وازهرت اغصان الشجر..

وصدح الحمام في الكروم..

لمَ انت بعيد؟ لمَ انت تائه؟

لم هجرت

صديقك ..وذاته..

( 5 )

حان وقت العودة.. فعاد العصفور للوطن... احتضنه المرج.. فرحت الورود.. وتفتح أمامه الزهر.. انتشى.. وطار بلا قيد.. ولا حزن.. ولا ملل.. عاد وملأ الفضاء عبير حريته.. ونسيم تأصله.. تذكر ما قاله اجداده:

"ان الارض التي تسقى بالإيمان والكفاح تعطي ثمراً.. اليوم.. الان.. والى الابد.. فالعمل هو ملح الحياة.."

1981

إشارات/

"1" التروباردو: هو شاعر أو موسيقي عاش في القرون الوسطى، وكان يؤدي أدواراً أو يخصص شخصاً لتأدية هذه الأدوار منشداً أشعار ألفها عند الملوك والسلاطين في الجنوب الشرقي لفرنسا وسرقسطة في مملكة أراغون وضواحيها بالخصوص. أصل هذا النوع الموسيقي هو أندلسي، اسم الكلمة مشتق من طرب وكلمة دور. وكانوا يعزفون الموسيقى متنقلين بين القصور، يعني كانوا يدورون من قصر إلى آخر. "من ويكيبيديا".

"2" بينيلوبي: في أوديسة هوميروس هي زوجة أوديسيوس الوفية التي ظلت ترفض الخاطبين الذين تقدموا لها طوال غيبته في رحلته الطويلة حتى عاد إليها في النهاية، ويرتبط اسم بينيلوبي في التقاليد الأدبية بالوفاء للزوج. "من ويكيبيديا"."3" أوديسيوس: هو ملك إيثاكا الأسطوري، ترك بلده كي يكون من قادة حرب طروادة، وصاحب فكرة الحصان الذي بواسطته انهزم الطرواديون.... بعد فوزهم بالحرب التقى أوديسيوس و جنوده بعملاق ذي عين واحدة ففقأ أوديسيوس عينه و جعله أعمى بعد أن أكل العملاق مجموعة من رجال أوديسوس و كان ذاك العملاق ابن اله البحر بوسيدون فغضب منه بوسيدون فعاقبه بأن تاه في البحر عشر سنين لاقى فيها أهوالا كثيرة. ذكرت قصته في حرب طروادة في ملحمة الإلياذة لهوميروس كما أنه بطل ملحمة الأوديسة لهوميروس أيضاً. "من ويكيبيديا".

القيم الجمالية في مجموعة يونان هوزايا-( سي دار، وسي ميفان – ثلاث شجيرات وثلاث ضيوف)

بەها جوانيه كانى  شیعر لە کۆشیعری سێ دار و سێ میڤاندا

        فريدون سامان *

ترجمة : بطرس نباتي

      التقديم

يعود تاريخ الأدب السرياني الى قرون خلت ، وخاصة الشعر السرياني الذي له ماضٍ وتاريخ عريق جدا ،  في بداية دخول المسيحية الى ميزوبوتاميا ( بلاد ما بسن النهرين ) تميزت معظم مضامينه  في اغلب  نصوصه بطابعها  الديني والإيماني ، حيث دون باللغة الآرامية قبل ان يطلق عليها اللغة السريانية في القرون المتأخرة ومن الشعراء الذين برزوا في بداياته نذكر منهم  :

(بردیصان  سنة  ٢٢٢م ، مار أفرام، انطوان  التکریتی، یعقوب  السروجی، ابن العبري ، مار میخا نوهدرایا، أسحاق اميدي ، إسحاق  الأنطاكي ، أسحاق الرهاوي  و گۆرگیس و وفا  اربيلي  )

تميزت قصائد هولاء بانها كانت ذات مضامين دينية ، اما في الشعر السرياني المعاصر فقد شهدت القرون المتأخرة ظهور شعراء مجددين من امثال :

فريدون  اثورايا ، أدي الخص ، جان الخص ،  روبن بيث شموئيل ، شاکرمجید سیفو، پۆلس ادم  ، پۆلس شلیطا ، نینیۆس نیراری، لونا یوارش ، نزار الديراني ،  عادل دنو ، يونان هوزايا بطرس نباتی، عۆدیشۆسادا، لەتیف پۆلان كوركيس نباتي  .. واخرون )  وعلى حد علمي ان هناك العديد من الشعراء السريان إضافة لهولاء الذين كتبوا إشعارهم بلغة الام ( السورث)  هناك أيضا من  كتبوا باللغة العربية  سرگون بولص ، جان دمو ،الآب یوسف سعيد . الفريد  سمعان ، زهير بردى، أمير بولص  وغيرهم  ...

ومن الشعراء من كتب ايضا باللغة الكوردية منهم ( خليل خوراني ، دلال صليوا ،    هاوژين  صليوا  ، يونان هوزايا )

هولاء الشعراء السريان الذين ذكرتُهم لهم بصمتهم الواضحة في الشعر السرياني سواء الكلاسيكي او المعاصر .

لكني ما اود ان اطرحه هنا  ، هو ما يتعلق بشاعر سرياني ، كتب شعره باللغة الكوردية من اهالي زاخو ، شمال كوردستان ، ومن خلال  تجربته الشعرية

الخاصة به  كشاعر سرياني تمكن من إصدار مجموعته الشعرية باللغة الكوردية وقد طبعها تحت عنوان ( ثلاثة شجيرات  وثلاثة ضيوف )  وساتعرض لهذه المجموعة من حيث اللغة والصورة الشعرية ، وكذلك مضامينها من حيث ارتباط الشاعر  بالأرض بالإنسان وببيئة وطنه ..   

اللغة والصورة  الشعرية الشعرية عند يونان هوزايا

في كل نص ادبي وخاصة النص الشعري ، تكون للغة الشعرية  مكانة خاصة في تركيبة النص الأدبي ، وفي بنائه  الفني  وهي تدخل  ضمنا في التفرقة بين النص الشعري وغيره من الصنوف الأدبية الاخرى ، لذلك يتوجب ان تكون لغة متينة وغير مباشرة وموجزة لئلا تكون سببا في  نفور المتلقي عن قراءة النص الشعري ، وبواسطة هذه اللغة الشعرية يتمكن المتلقي مِنْ  ان يفرق بين شاعر وآخر، بين استخدام الصورة الشعرية والمعنى العام للقصيدة ، يتوضح التجنيس الشعري  وذلك يعود عادة الى اللغة الأدبية التي وضفها الشاعر في كتابة قصائده .

بعد قرائتي للمجموعة ( ثلاث شجيرات  وثلاثة  ضيوف ) للشاعر يونان هوزايا ، تأكد لي بان جميع قصائد هذه المجموعة رغم استخدام الشاعر للغة سهلة وبسيطة الا انها لغة فنية وشاعرية ، يمكننا فصلها وبسهولة بتمييزها عن اللغة التي نتحدث بها أو ما تسمى لغة التخاطب ، النص الشعري نص فني ينشأ او يولد من خيال الشاعر ، يعبر عما يريده بلغة شاعرية  ، او تنتمي له وحده دون غيره وخاصة ما تتضمنه من مفردات وتعابير  يختص هو دون غيره باستخدامها لإثراء لغته الشعرية

جميع قصائد هذه المجموعة تعبر عن مكنونات الشاعر ،مما يجعل المتلقي سواء كان قارئا او ناقدا يكون علاقة او تفاعلا فنيا مع النص الشعري ، يقول يونان هوزايا :

ثلج جميل

ثلج جميل ..

الى اين انت ذاهب ؟

في هدوء الفجر  انت رفيق دربي

في ذلك الطريق ،

ذكرتني بالأيام الحلوة

أيام العشق بين قطعان الغنم 

رغم ان  هذه اللغة التي استخدمها الشاعر لغة بسيطة ومفهومة ، لكنها تتميز بخصوصيتها في التعبير عن الحقيقة  المتأصلة  خيال  في  المتخيل الشعري لشاعر المتأثر بالطبيعة الخلابة لمنطقة بهدينان التي يتخذها هوزايا كباك راوند لصورته الشعرية هذه .

يونان هوزايا له تجربة ثرة في كتابة القصيدة المعاصرة  بلغة السورث ، وقد نقل هذه التجربة بأمانة الى هذه المجموعة رغم انها ليست بلغة الام التي تعود على الكتابة بها ، رغم ان بعض  تراكيبه اللغوية تكاد  تقترب من المباشرة  والتقريرية ، ولكن هذا ما يساعد النقاد وحتى على اي متلقي اخر ان يتعرف على بيانه الشعري او الغرض من كتابة قصيدته ، بعكس أولئك الشعراء الذين يغلفون  قصائدهم برموز  فلسفية وبعبارات يتوجب على المتلقي الاستعانة بمعاجم اللغة او بخزينه  المعرفي لاكتشاف المعنى ، لتفكيك شفراتها

في مقطع اخر نقرأ

قلبي المسكين

ما اصابك  من محن قد عبرت 

رغم كونك  قطعة من لحم ودم

الا إنك  طافح  بالحدث والذكرى

يمكننا ان نجزم ، بان اي متلقي او مثقف او ناقد اذا لم يكن يتحلى بثقافة وإلمام معرفي بأدبيات اللغة العربية والمشرقية ، لايمكنه من إعطاء تفاسير او توضيح لمثل هذه الصور الشعرية .

واكيد في الشعر المعاصر ، يتوجب على الشاعر ان يكون له دراية ومعرفة بالتجارب الشعرية في العالم اضافة الى التجارب الشعرية المحلية .

وهذا من اجل اثراء تجربته في كتابة نصه الشعري ، ومن هذا يمكن لقارئ اعتيادي ان لا يستلذ بمثل هذه التجربة الشعرية لكونها أساسا قد كتبت للنخبة وليس للعامة . والنخبة هذه معنية بالأساس في تقييم ونقد تلك التجربة الشعرية ، ووضعها في قالبها النقدي من حيث دلالاتها في المعنى العام او دلالاتها الجمالية الاخرى .

اي فؤادي  المدلل / انت لازلت تخفق بمرح وفرح

منذ ان كنا سعيدين  تحت تلك الأشجار

انا وحبيبتي تحت زخات الأمطار

بعد ذلك الارض والسماء

ارتديا احلى حلة بيضاء

جبل چناروك بدا مطرزا *

فؤادي الذي أسره بحسنه

قلت له  متى ؟، هوأيضا  قال متى؟

نحن ماذا تركنا خلفنا ؟.. ماذا تركت الامواج لنا؟

هنا لا بد لنا من القول ، بناء كل نص  ، يرتبط  بتجنيس الفني للشعر ، واذا اردنا فضح مشفراته التي يضمنها الشاعر في مقاطع النص لابد ان نتعرف على المضمون الذي يقصده او المعنى العام الذي يكون كدلالة معرفية للتعرف على النص الشعري من خلال تفكيك مفردات الشاعر اللغوية .

في  العديد من اللهجات الكوردية  في اجزاء كردستان غربا وشرقا أشتغل  الشعراء المعاصرون على الهيكل الفني لقصائدهم مهملين في معظمها المضامين ، في قصائد هوزايا يشعر المتلقي بان الشاعر قد ضحى  ببناء  الفني  لقصائده من اجل المعنى او  من اجل المضمون .

في قرائتي لقصائد المجموعة ، ظهر بان الشاعر خلال زمن كتابته لقصائد المجموعة استحضر او ضمن قصائده بعض مفردات اقتبسها من الأساطير او من الرموز الدينية التي ضلت حية رغم مرور ازمنة عديدة على استخداماتها ولقدمها لا نعلم كيف دونت وكيف استخدمت تلك الرموز والمضامين ، وقد اهتم يونان كثيرا بالصورة الشعرية وكيفية استخدامها في بناء القصيدة .

يونان هوزايا بين عشق الاصدقاء ونزيف الفراق في اصداره خوراواثا- الاصدقاء

بطرس نباتي

الشعر الجيد والشعر الرديء

هناك رأي ينص على ان الشعر  الذي يتصف بالديمومة و ليس له علاقة بالشكل وطريقة الكتابة او الالقاء بل هو الذي يجمع كل هذه  الأشكال معا اضافة الى جمالية اللغة والصورة الشعرية ، ربما هذه الفرضية تكون في الشعر الكلاسيكي او الشعر الحر او غير ذلك .

هناك من الشعراء من يقوم بتقليد التجارب الشعرية الغربية بتصورهم بان هذه التجارب هي تجارب معاصرة وستكون اثراء لتجاربهم الخاصة هولاء بهذا الامر يفقدون خصوصيتهم والسؤال هو كم من  هولاء  نجحوا  بهذا التقليد ؟ وكم منهم لم يحالفهم الحظ ؟ وهذا براي يعود الى المتلقي والنقاد ليحكموا بانفسم على مثل هذه المحاولات .  تقليد للآداب  الغربية  خاصة في  الشعر قد جاء نتيجة تطور  الترجمة من هذه الآداب الى اللغات المشرقية ، كان الاولى بهولاء المقلدين ان يستفيدوا من الشعر الكلاسيكي ويعملوا على تطوير هذا المنحى من الشعر افضل لهم من هذا التقليد  الخالي من الابداع ، لكونهم مهما فعلوا ضمن تجربة تقليد الشعر الغربي فانهم لن يصلوا به الى الإبداع الذي وصله الشعراء الغربيين وهم يكتبون ادابهم بلغتهم ، التراث الشعري الثر في مشرقنا يحتاج الى ان يأخذ به شعرائنا وأدبائنا للوصول الى الحالة الإبداعية وهذا ما هو كامن  في الشعر الكلاسيكي .

* جناروك / متنزه سياحي  في قضاء كويسنجق /اربيل

يونان هوزايا صوت شعري  مجهول

الكتابات المتوفرة او تلك التي  في متناول القاريء عن شعر  الأديب يونان هوزايا لا تتجاوز صفحات قليلة من التعبيرات  العاطفية عن شخصه او على تجربته الأدبية او الشعرية بلغة السورث،  وجميعها اما باللغة السريانية او العربية  .

وجميع ما وقع في أيدينا لحد الان كانت عن حياته وعن دوره في الصحافة واللغة، لذلك اي دارس  أو ناقد لتجربة يونان الشعرية يجد نفسه في البداية أمام  صعوبة  في الاستمرار بتتبع مسيرته في الشعر بلغات اخرى غير السريانية  ، لذلك كان يتوجب  علي العودة الى قصائده خاصة في هذه المجموعة ألتي  دونها باللغة الكوردية  ، رغم ان يونان  قد كتب باللغة السريانية وهو يعد ضمن الشعراء السريان ، ولا يمكن ان نعتبر تجربته هذه بشعر سرياني ، بل يجب اعتبارها ضمن تجربة الشعر الكوردي المعاصر ، رغم ان العديد من الأدباء السريان نتيجة قلة القرّاء  باللغة السريانية  كتبوا إشعارهم ونصوصهم بلغات اخرى منها العربية وهذا ما يؤخذ عليهم طبعا .

من الواضح ان الإصالة  الشعرية والأدبية  تكمن في المشرق وليس في الشعر الغربي وخاصة في استخدام الاسطورة والرموز الدينية والملاحم  ، والاُدباء الغربيون تمكنوا من توضيف ما لدى المشرق من هذه الرموز والدلالات وتضمينها في أدبياتهم ، لان الأدب ينتقل شرقا وغربا بدون فيزا او جواز سفر ، والأديب ما هو الا مسافر عاشق للغة للقراءة ينتقل عبر الاوطان ، وهو لا يُسأل الا عن تجربته الخاصة فيما يكتب او يقرأ .

  العشق في مجموعة يونان هوزايا

عندما اخضرت الارض في الربيع

حبيبتي عدت اليك

عدت اليك حبيبتي

كناي بيد راع

لنفتح اصابعنا

بشفاهنا الحمراء

نفتح الازهار والياسمين

في السهول والوديان

حالة تناول العشق عند الشاعر هوزايا تتجلى اكثر  في تخيله  لعالم اوسع ، بجغرافية لا حدود لها ولتكويناتها سواء بطبيعة ساحرة لقرى زاخو او توسعه نحو عالم اوسع، كما عند اكثرية الشعراء عندما يتناولون في نصوصهم  حالة العشق والتي ليست بالضرورة ان تكون بين شخصين ، بل تتعدى الى مديات اوسع في المعنى ، كأن يكون العشق عندما يبذل الانسان او يضحي الانسان بذاته من اجل غيره  ، العشق كأن يحمل الانسان شمعة نيرة أزلية تزيل حالة الظلمة عن طريقه وعن طريق اخرين غيره ، لذلك العشق قد يكون في اتحاد روحي ، سواء بين شخصين او بين شخص ووطنه او أمته ، او يتخذ شكل اخر كعشق الانسان للطبيعة بجمال أشجارها وحشائشها وعيون المياه والجبال والوديان ألتي تحيط بالإنسان فيدفعه بالتعلق  بها عشقا، وهذا ما يدفعنا للجزم بأن  العشق  كاد ان يكون  أقوى اواصر الحياة  عند الانسان مع ما يحيطه وبالتالي يدفع بالانسان الى مواجهة الصعاب والالام و الى استمراريته بالحياة ، وعندما نقرأ مثل هذه الإشعار حول العشق ، ليس بالضرورة ان يكون العشق بين ذكر وأنثى ، ربما يكون كذلك ، ولربما تكون الأنثى ام او صديقة ، وكذلك يمكن ان  يكون هناك ربط بين العشق والجمال وبين العشق وحالة التصوف ، والعديد من هذه الحالات التي تحدثنا عنها ضمن تناول حالة العشق في الأدب  وفي اشعار المجموعة ، من الصعوبة إدراكها في هذا الزمن حيث ابتعد الانسان فيه عن  زمن الرومانسية ، هذا الزمن الذي اصبح الشغل الشاغل للإنسان البحث عن التكنولوجيا والالة  ، والانشغال بوسائل العيش التي تكاد ان تحطم إنسان في هذا العصر ، بالاضافة الى التاثيرات السلبية التي أدخلتها السياسة في مجتمعاتنا ، رغم سمو حالة العشق في الأدب وقدسيته الا ان هذا لم يثنٍ  إنساننا  في هذا الزمن من اعتبار حالة العشق هذه جنونا  ،  وخاصة اذا لم يحقق هذا العشق اية نتيجة او لم يتحقق ..

  آلآم وعذابات  الانسان والمجتمع عند يونان هوزايا .

معظم ما تناوله يونان من وقائع في شعره نبعت بالأساس من خياله ووجدانه ، فبالرغم من ان يكون الشاعر يعبر عما يختلج في ذاته، عن وهمومه وهواجسه  يتوجب عليه تجاوز هذه الذاتية ليعير عن الام شعبه وبالتالي عن هواجس والام الانسانية جمعاء أينما تكون سواء في كردستان او في افريقيا او في المجتمعات البعيدة لآسيا أو لآمريكا للآتينية ، لان الشعر ما هو غير خطاب انساني عابر للمنطقية  ليس الا ، ولغة الشعر اية لغة كانت يجب ان  يوضفها  الشاعر انسانيا، ولما كان الشاعر ملكا  لكل الانسانية اينما كانت ، يتوجب عليه ان يتجاوز الايدولوجيا  و الحدود الجغرافية ، فمثلا لو ان اي قاريء اجنبي يقرأ نصا شعريا يشعر بان ما دونه الشاعر يخصه ايضا لكونه يحمل ذات المشاعر التي يكنها هو تجاه الانسانية ، هكذا كيف اننا عندما كنّا نقرأ نصا او رواية  في الماضي او في الحاضر لكاتب او شاعر روسي او لامريكا  الاتينية او لألماني كنّا نشعر

بأنه يشارك همومنا وتطلعاتنا وهو يخصنا كما هو يخص لذلك الشعب وتلك الاوطان

      النتائج

قرائتي للتجربة الشعرية ليونان هوزايا من خلال مجموعته ( ثلآث شجيرات وثلاثة ضيوف ) وهذ عنوان قصيدة  جميلة في هذه المجموعة ، ترائى  لي بان الشاعر يتمتع بمسؤولية وشعور خاص ، يريد ان يعبر عنها شعرا ويضع نتاج هذا الشعور بين يدي قرائه ، نتاج شعره في هذه المجموعة هو تجربة شعرية متكاملة وجيدة تحمل الام ومعانات الآخرين ، اللغة الشعرية لغة معبرة تتضمن معظم التكنيك الشعري، لذلك نجد أن معظم المضامين التي اختارها يونان هوزايا وعبر عنها شعراً تنتمي الى عصرنا هذا ، وتجري أشعاره بسلاسة وبدون عقد وصعوبات في اللغة ، وهو يتعامل بشكل إبداعي في الشكل والمضمون سواء في قصيدة واحدة او في مجموع قصائده ويستمد معظم ثيماتها الشعرية اما من الطبيعة او من التخيل ، يستخدم الصورة الشعرية ، يستحضر الماضي او يستشهد ببعض الصور الشعرية من التاريخ او من الاسطورة يوضفها بشكل إبداعي ملفت للنظر ، تجربته الشعرية رغم كونها ذاتية الا انها تحمل هموم انسانية ، وكل نص شعري اضافة لتعبيره عن شعور  ، لكنه ايضا يحمل تجربته سواء في اللغة المستخدمة او في بعض التعابير التي يكثر من استخدامها في نصوصه الشعرية.

ومن كل هذا يمكن ان يستدل المتلقي على أن أي شاعر  يلقي قصيدةً او كتبها ، بدون يذكر اسمه اذا  كان له نهج خاص في التكنيك الشعري  يمكننا من التعرف عليه بسهولة ، لكون ما يلقيه قد استخدمه قد كرره  في معظم ما اصدره من مجموعاته الشعرية ، يقول المفكر والمتصوف ( شهاب الدين سهروه وردي ) ( كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة ) مثل  هذه التعبيرات  الجميلة والفلسفية  جعلتني ، في التجربة الشعرية ليونان هوزايا هذه ، ان ابحث واتقصى عن كل شيء وان أعيد النظر في تجربة بعض الشعراء الذين اصدروا او كتبوا أدبياتهم من اجل الاعلام فقط وبعض هولاء تمت الدعاية لهم بشكل جيد وخاصة من قبل بعض النقاد  ، الذين من كثرة مديحهم لهولاء ، رسموا لهم هالة من الإعجاب والانبهار ، وهم أ صلا لا يستحقونها ، مما جعلهم يتلقون الهبات من جهات وشخصيات حزبية وحكومية كونهم شعراء بالحق والحقيقة، هولاء من خلال نتاجاتهم ليس لهم اية بصمة او تجربة شعرية مميزة ، وأخيرا لابد لنا القول ، نتاج شاعر يجب وبالضرورة ان يكون نتيجة تجربة الشاعر نفسه ،وليس لآخرين غيره .

المصادر

مجموعة شعرية ( ثلاث شجيرات وثلاثة ضيوف ) للشاعر يونان هوزايا الطبعة الاولى باللغة الكوردية بلهجة بهدينان /  حروف لاتينية /الطبعة الاولى  2014  اربيل والطبعة الثانية بنفس اللغة قدم لها الاستاذ فرهاد عوني

من الشعر السرياني المعاصر - ت مهداوي احمد اربيل 2010

جان دمو شاعر اللعنة العراقية ، جريدة الحياة محمد مظلوم له شيعري سرياني هاو چه رخدا وه رگيران مهداوي احمد دَاوُدَ / هه ولير 2011

يونان هوزايا شاعرا

بنيامين حداد

في مستهل الثمانينات في القرن الماضي، انحدر من سفوح جبال بلاد النهرين العليا  الى العاصة بغداد، شاب في عز ربيعه، قامة ممشوقة غضة وحين عرفته احسست ان هذا العود الطري الاخضر سيشتعل شعرا.  وهكذا كان.

نعم كان يونان هوزايا شاعرا مبدعا مجددا دافئ العبارة شفافا كان شاعرا في كل ما كتبه كان شاعرا في قصائده وفي قصصه وخواطره شاعرا حتى في مواضيعه النقدية الادبية.

انحدر هوزايا الى المدينة بغداد رغم ضجها وضجيجها واجوائها المغلقة ظل هوزايا حاملا بين اضلاعه قلب ذلك القروي ابن الارض النقي نقاء طين حقول القمح. جاء هوزايا الى المدينة حاملا عالما كريه بالقرية بما فيها بهمومهم واهتماماتهم بافراحهم واتراحهم بعرقهم ودموعهم ووبدمائهم ايضا. جاءنا هوزايا الى بغداد حاملا على كتفيه ريفه الجميل حاملا الكرمة الجدول الزهرة والسنبل السهل والجبل  الطبيعة بنقائها البكر وجمالها الاخاذ العصي عن الوصف.  قدم مكلل الهامة بالثلج الابيض الناصع الذي يكلل قمم جبالنا المباركة الشماء . قدم المدينة وفي اعماقه انسان الريف البسيط ابن القرية الذي رضع نسغ الارض وشم عبقها وتحت ايهابه كان يكمن فلاح اصيل لست انا من يقول ذلك بل لنسمع هوزايا ذاته يقول هوزايا بلسان بطل قصته  (تبني عتيقي) ܬܒ݂ܢܹ̈ܐ ܥܬܝܼܩܹ̈ܐ

ܐܲܟܵܪܵܐ ܗܘܸܢ ܗܘܵܐ.. ܘܗܵܕ݂ܹܐ ܡܠܝܼܬ݂ܵܐ ܝܠܵܗ ܣܘܿܟܵܠܹ̈ܐ... ܚܘܒܵܐ ܕܐܲܪܥܵܐ... ܡܩܲܕܲܫܬܵܐ ܕܥܲܦܪܵܐ ܘܦܹܐܪܹ̈ܐ... ܘܡܵܚܘܿܙܵܐ ܗܘܸܢ ܗܘܵܐ ܕܫܘܼܦܪܵܐ...

ܐܲܪܥܵܐ ܘܐܲܟܵܪܵܐ.. ܝܸܡܵܐ ܘܝܲܠܕܹ̈ܐ..

اكارا ون مليا من حوبا دارعا .. مقدشن اوبرا وبيري ارعا واكاري اخ يما ويلاح ماحورا ون دشوبرا.

وبطل قصته هذه نراه يصف حبيبته سهرا بعبارة قصيرة تتغنى بالكثير من ما يسطر في هذا المجال فيقول:

..ܓܸܒ݂ܝܵܐܠܝܼ  (ܣܲܗܪܵܐ) ܕܗܵܘܝܵܐ ܗܘ ܫܸܬܠܵܐ ܕܙܲܝܬ݂ܵܐ ܕܛܵܪܸܚ ܓܵܘ ܐܝܼܬܘܼܬܝܼ.. ܒܗܵܝ ܐܲܟܵܪܵܐ ܗܘܸܢ ܫܲܦܝܵܐ ܐܝܟ݂ ܦܘܚܹ̈ܐ ܕܩܕܡܝܵܬ݂ܵܐ ..

كوبيالي سهر دهاويا شتلا ..

اخ بوخا دقاماياثا.

ولنسمع هذا الحوار الرقيق بين شاب وحبيبته في قصته ( ܚܠܡܐ ܗܘܵܐ)  خلما وا كان حلما :

تقول الحبيبة :

ܠܡܐ ܗܘܸܬ ܫܬܝܼܩܵܐ ܡܘܚܸܒܝܼ!... ܐ݇ܡܘܼܪ ܚܲܕ݇ ܡܸܢܕܝܼ.. ܬܵܢܝܼ ܠܝܼ.. ܬܵܢܝܵܬܘܿܟ݂.. ܚܲܒ݂ܛܝܼ ܒܕܸܡܝܼ ܐܲܝܟ݂ ܙܲܗܪܝܼܪܹ̈ܐ ܕܣܲܗܪܵܐ ܒܠܸܒܵܐ ܕܚܸܫܟܵܐ..

لمايوت شتيقا موخبي مور خا مندي .. تانيلي.

فيرد عل حبيبته ويقول:

ܫܲܡܝܼܪܵܡ... ܒܥܘܡܩܵܐ ܕܥܲܝܢܹܟ݂ܝ ܒܸܚܙܵܝܵܐ ܗܘܸܢ ܚܲܩܠܵܐ ܝܲܪܪ̈ܩܬܵܐ ܪܘܝܼܚܬܵܐ.. ܐܲܝܟ݂ ܓܸܢܵܢܹ̈ܐ ܕܡܵܬ݂ܝܼ.. ܘܡܢ ܣܸܦܘܵܬܹܟ݂ܝ ܫܵܩܠܸܢ ܛܲܥܡܵܐ ܕܟܲܪ̈ܡܵܢܹܐ ܐܘܿ ܫܲܦܝܼܪܬܝܼ..

شميرام حبيوت.. .. يا شبيرتي.

في مواضع اخرى عديدة من اعماله الادبية يفصح هوزايا عن هويته الريفية القروية نعم كان مسكونا بروحية الفلاح الاصيل الحقل والاكار سكة الفدان وتنور الطين كف الحاصود ومقبض المنجل  ينابيع المياه واعشاش الطيورالسهل والجبل الثلج والمطر   السواقي والاشجار الاوشال المنبثقة من قلب الصخر  الريف القرية وانسانها البسيط النقي السريرة شفافها الطبيعة الام بكل انواعها.

في مثل هذه الاجواء وهذه البيئة الساحرة حيث عناصر التكوين لما تزل في بكوريتها وعذريتها في طفولتها وفي نقائها وصفائها في رقتها وشفافيتها هناك تحوم روح يونان هوزايا رغم تغربه وغرقه في المدينة وصخبها في زحمتها وضجيجها ومن هناك كان يرضع يراعه المداد ويبدع. الاحضان الدافئة تلك احضان الطبيعة الام الاولى رسمت لهوزايا مساره ونهجه في الكتابة من رحم الارض الطيبة المعطاء. طلعت ثماره الادبية اليانعة فكان في كل ما انتجه مزيجا من الرومانسية الشرقية الدافئة والواقعية الحية المتحركة وليس الواقعية الفوتوغرافية الجامدة الباردة وانما الواقعية اللامحدودة الواقعية بلا ضفاف كما يصطلح عليها اليوم في الاوساط الادبية.

ويونان هوزايا لم يكن في قصائده وقصصه بعيدا عن الحداثة بل كان حداثويا بامتياز ولكنه لم يكن متطرفا باستخدام المجازية المفرطة في لغته كما يفعل البعض  من اجل خلق صور غرائبية فنظازية اشبه ما تكون بالهلوسات المفرطة في الذاتية تلفها العتمة والغموض وتظل دائما بحاجة الى شفرات لترجمتها وفهم الغازها هذا اذا ماكان فيها ما يمكن ان يفهم او ما يستحق ان يفهم.

لنقرأ ليونان هوزايا في كتابه طلانياثا:

في كتابه طلانيثا ص75  الذي يتعرض فيه الى مجموعة من القصائد السريانية الحديثة يقول:

ܡܢ ܦܠܵܛܹ̈ܐ ܕܦܠܚ ܘܡܛܹܐ ܥܠܲܝܗ ܡܚܘܿܪܵܐ ܓܘܵܢܐܝܼܬ ܝܠܝܗܝ: ܒܪܵܝܬܵܐ ܕܪܸܓ݂ܫܵܢܵܝܘܼܬ݂ܵܐ ܬܵܐ ܨܘܼܪܬܵܐ ܡܲܚܪܲܝܬܵܐ.. ܘܡܪܡܬܐ ܫܘܝܵܐ ܕܫܘܼܦܪܵܐ.. ܘܐܲܝܟ݂ ܐܵܡܸܪ ܚܕ ܡܬܕܝܼܠܵܢܵܐ:" ܡܫܘܚܬܐ ܝܠܗ ܚܕܐ ܫܫܠܬܐ ܕܦܬܓ݂ܵܡܹܐ ܐܬܝܼ ܒܬܪ ܚܕܵܕܹܐ ܐܝܟ݂ ܙܘܠܵܐ.. ܘܟܠܚܕ ܦܬܓ݂ܡܐ ܝܠܗ ܢܘܪܐ ܕܥܛܦ ܐ݇ܪܙܐ ܓܘ ܡܫܘܚܬܐ. ܘܡܚܙܐ ܛܘܪܐ ܕܨܚܚܐ ܘܓܡܪܬܐ ܕܡܠܘܹ̈ܐ". ܡܚܘܪܹ̈ܐ ܕܵܪ̈ܵܝܹܐ ܐܕܝܘܡ ܦܠܚܝܼ.. ܛܠܝܩܹ̈ܐ ܓܘ ܟܝܵܢܐ .ܘܓܘ ܩܠܐ ܘܚܒ݂ܝܼܨܘܼܬܐ ܘܓܵܘܢܹ̈ܐ.. ܓܘ ܬܥܝܼܫܘܼܬܵܐ ܘܩܛܪܹ̈ܐ ܘܩܢܛܐ ܥܡܐ ܥܡ ܚܘܡܠܢܐ ܘܦܨܚܘܬܐ ܘܒܘܣܡܹ̈ܐ..

وفي تقييمه لقصيدة ܪܗܝܼܒ݂ܘܼܬ݂ܵܐ  رهيووثا للشاعر سرهد هوزايا في كتاب ܛܠܵܢܝܼܬܵܐ  طلانيثا المذكور فيقول هوزايا:

ܟܘܼܬܵܫܵܐ ܕܡܚܘܿܪܵܐ ܥܡ ܝܵܬ݂ܹܗ.. ܐܵܪܵܐ ܡܨܝܼ ܕܡܥܹ̈ܐ ܫܲܦܝܹ̈ܐ ܘܫܚܝܼܢܹ̈ܐ ܕܡܪܟܚܝܼ ܒܙܩܹ̈ܐ ܘܓܘܠܠܹ̈ܐ.. ܡܪܟܚܝܼ ܠܒܐ ܕܩܫܝܘܼܬ݂ܵܐ.. ܘܡܪܦܝܼ ܐܝܼܕ̈ܬܵܐ ܕܒܝܼܫܘܬܐ.. ܘܦܝܫܝܼ ܟܟܹ̈ܐ ܘܙܝܢܹܗ ܕܪܗܝܼܒ݂ܘܬܐ' ܐܝܟ݂ ܟܠܝܗܝ ܥܡܘܪܹ̈ܐ ܕܣܩܠܐ ܘܫܘܦܪܐ.. ܘܠܐ ܕܩܛܵܠܵܐ.!!

ܐܵܪܐ ܡܨܝܼ ܢܘܛܦܵܬܵܐ ܡܢ ܕܡܐ ܕܣܗܕܹ̈ܐ ܕܡܕܥܟ݂ܝܼ ܢܘܪܐ ܕܢܦܩ ܡܢ ܟܠܚܕ ܡܢ ܪܗܝܼܒ݂ܐ؟ ܘܡܛܡܝܼ ܒܝܼܫܬܐ ܥܡܝܼܪܬܐ ܓܘܝܗܝ.. ܘܠܐ ܩܛܸܠ!!

كان هوزايا في كل ثماره الادبية مجددا يسعى دائما الى ان يقول شيئا جديدا يسعى الى ان يرسم صوره الشعرية في قصائده وفي قصصه بريشته هو لم يكن نساخا ولا مقلدا.

كان يدرك جيدا ان الخلق والابداع في الادب في الشعر وفي القصة وفي غيرهما  يتطلب لغة جديدة ومفردات بكر في دلالاتها وان الاديب الحق  في تعامله مع المفردات اللغوية يعرف جيدا انها مع الزمن قد هرمت وشاخت وابتذلت واستهلكت وفقدت بكورية دلالاتها وتلاشى عنصر الانبهار فيها وان عليه ان يعمد في هذه المفردات الشائخة  الهرمة ويقتحم بجراة   افاقها ويقتنص من خلال تشظياتها دلالات بكر جديدة.

يقدم لنا هوزايا عميق مشاعره واحاسيسه ببساطة متناهية يرسم لنا لوحات فنية  حية دافئة الالوان لينة الخطوط تجتذب الافئدة وتسكنها من خلال نص مكثف قوي الحبكة  يصور جمالية مفردات التكوين الوانها وخطوطها اوتار خضراء منزوعة من نياط قلبه ومن جدائل امه العظمى  الارض ويعزف السمفونية الازلية للحياة ويقدم هوزايا  معاناته وهمومه من خلال حواره  مع كل عناصر التكوين في بيئته الريفية النقية  يحاور السهل والجبل يحاور سنابل القمح الذهبية وعساليج الكرمة الخضراء الزمردية  يحاور الزهيرات البرية و القبرات الصغيرا  يحاور الاكار والراعي  الكرامين الجنائيين التلال والوديان يحاور العيون والينابيع والانهار .لنقرأ ليونان هوزايا وهو يخاطب  نهر الخابور فيقول :

ܚܒ݂ܘܪܐ ܗܘܸܬ

خابور انت  

بهذه العبارة البسيطة يستهل هوزايا حواره مع الخابور والذي ينتج لنا بها افاقا رحبة شاسعة للتامل ونحس به ان من خلال هذا النهر الصغير يحاور التاريخ ويحاور الجغرافية يحاور الماضي ويحاور الحاضر يحاور ابناء جلدته القريويين البسطاء الذين يشكل الخابور شريان حياتهم

ܚܒ݂ܘܿܪܐ ܗܘܸܬ

ܪܸܫ ܚܵܒ݂ܘܿܪܵܐ ܒܒܵܪܟܸܢ .. ܡܨܵܠܸܢ

ܪܸܫ ܚܵܒ݂ܘܿܪܵܐ ܒܐܲܡܪܵܢ .. ܒܓܵܠܸܢ:

ܐܲܝܟܵܐ ܝܠܵܗ ܩܸܢܝܼ .. ܘܚܲܒ݂ܪ̈ܵܢܝܼ

ܐܲܝܟܵܐ ܝܠܲܝܗܝ ܣܩܝܼܠܹ̈ܐ ܕܘܟ݂ܪ̈ܵܢܝܼ؟

ܪܒ݂ܹܐܠܲܢ ܙܥܘܿܪܹ̈ܐ ܥܲܡ ܝܵܘܡܵܬ݂ܵܐ

...

ܚܵܒܘܿܪܵܐ ܗܘܸܬ

ܐܸܢ ܪܫܸܡܠܘܿܟ݂ ܓܸܚܟܵܐ ܠܣܸܦܘܵܬ݂ܵܐ

ܐܸܢ ܙܪܸܥܠܘܿܟ݂ ܙܲܝܬܵܐ ܒܐܘܼܪ̈ܚܵܬ݂ܵܐ

ܒܢܵܦܩܝܼ ܡܸܢܘܟ݂ ܢܲܗܪ̈ܵܘܵܬ݂ܵܐ

ܒܓܲܕܠܝܼ ܣܩܝܼܠܵܐ..

ܘܒܫܵܪܝܼ ܢܚܵܬ݂ܵܐ

ارايتم الى هذه الصور الساحرة هذه الكلمات الدافئة هذه الانسابية في العبارات البسيطة وهذا السيل الدفاق من المشاعر الرقيقة انه السهل الممتنع حقا .

ونقرا له من مقطوعة شعرية قصيرة تحت عنوان ܚܨܪܐ حصارا الحصار فيقول:

ܐܸܢ ܦܸܝܫܝܼ ܚܢܝܼܩܹ̈ܐ

ܫܸܢܹܐ ܘܥܕܵܢܵܬ݂ܵܐ

ܘܢܘܼܟ݂ܪ̈ܵܝܹܐ ܝܼܬܝܼܒ݂ܹܐ

ܪܸܫ ܠܸܒܲܢ ܒܡܵܬܘܵܬ݂ܵܐ

ܘܐܸܢ ܐܲܪܥܵܐ ܝܵܒ݂ܫܵܐ

ܘܟܵܢܘܼܢܵܐ ܕܵܥܸܟ݂

ܬܵܐ ܡܸܢܝܼ ܚܠܝܼܬ݂ܵܐ

ܕܡܟܲܦܫܲܚ ܩܲܝܣܵܐ

ܘܒܢܲܪ̈ܓܹܐ ܚܲܪ̈ܝܼܦܹܐ

ܩܲܛܩܸܛܲܚ ܟܬܵܒ݂ܹܐ

ܘܡܒܵܫܠܲܚ ܡܘܼܫܚܵܬܵܐ

بتركيز شديد وبعبارات قليلة استعارات لغوية ذكية تمكن ان يقول الشاعر عن الحصار ما يصعب قوله في صفحات..

وضمن تقييمي لمجموعة قصصية لهوزايا خبز السواتر لخما دتخوماني كتبت في بحق ما قاله في استقبال الام لابنها الشهيد ....فقلت :

ܟܵܬܘܿܒ݂ܹܐ ܟܲܒܝܼܪܹ̈ܐ ܟܬܸܒ݂ ܠܗܘܢ ܒܓܸܕܫܵܐ ܕܣܵܗܕܘܼܬ݂ܵܐ، ܘܒܣܘܼܩܒܵܠܵܐ ܕܝܸܡܵܐ ܠܒܪܘܿܢܵܗ ܣܵܗܕܵܐ. ܒܪܲܡ ܣܘܼܩܒܵܠܵܐ ܕܝܸܡܵܐ ܠܲܒܪܘܿܢܵܗ ܣܵܗܕܵܐ ܒܗܵܕ݂ ܬܘܼܢܝܼܬ݂ܵܐ ܠܐ ܗܘܵܐ ܒܗܵܘ ܛܘܼܦ̮ܣܵܐ ܥܝܵܕ݂ܵܝܵܐ ܝܼܕ݂ܝܼܥܵܐ.. ܣܘܼܩܒܵܠܵܐ ܒܗܵܕ݂ܹܐ ܬܘܼܢܝܼܬ݂ܵܐ ܐܝܼܬ ܠܹܗ ܚܲܕ݇ ܛܲܥܡܵܐ ܚܲܕܬ݂ܵܐ.. ܟܲܕ ܒܥܸܕܵܢܵܐ ܕܒܸܩܪܵܒ݂ܵܐ ܝܠܹܗ ܥܲܪܣܵܐ، ܡܸܠܝܵܐ ܡܢ ܫܠܲܕܵܐ ܕܣܵܗܕܵܐ، ܟܪܝܼܟ݂ܵܐ ܒܐܵܬ݂ܵܐ ܕܣܵܗܕܘܼܬ݂ܵܐ، ܡܫܵܪܹܝ ܠܲܚܡܹ̈ܐ ܫܲܚܝܼܢܹ̈ܐ ܕܫܸܫܡܹ̈ܐ ܒܸܦܪܵܚܵܐ ܒܲܫܡܲܝܵܐ.. ܪܩܵܕܵܐ ܠܩܵܠܵܐ ܕ ( ܟܲܠܟܲܠܝ̈ܬ݂ܵܐ). .

كان هوزايا يمتلك حسا تراثيا اصيلا ويضمن اعماله الادبية الكثير من المفردات  التراث الشعبي من ابناء جلدته من القريويين الريفيين ومن ذلك الامثال الشعبية كان يتعرض للمثل بطريقة مختلفة فريدة تماما لم اعهدها عند غيره فهو يتعرض للمثل ليعارضه ويهشمه ويخرج بمفاهيم انسانية جديدة ذات عمق دلالي اكبر في قصته الجميلة  كد نابل تورا يتعرض للمثل الشعبي السائد الذي يقول :

ܟܕ ܢܦܠ ܬܘܪܐ ܚܲܪܦܝܼ ܣܟܝܼܢܵܬ݂ܵܐ ܘܫܸܠܦܹ̈ܐ ܘܫܦܪܹ̈ܐ ܦܸܪܝܹܐ ܗܵܘܝܼ..

الا ان هوزايا يقلب المعادلة ويضيف

ܐܸܠܵܐ ܠܵܐ ܟܠ ܫܵܦܪܹ̈ܐ ܚܪܘܼܦܹܐ ܘܓܵܗܵܬ݂ܵܐ  ܪܵܒܵܐ ܠܐ ܦܵܪܡܝܼ݂!..

هنا يبقينا هوزايا في دائرة الامل والرجاء فهو يريد ان يقول لنا ان هناك في وسط جحيم الشر اناس طيبون لا يحدون السكاكين .

وفي قصيدة له تحت عنوان ܙܪܲܩܬܵܐ ܕܟܝܼܡܵܐ  زرقتا دكيما يوظف هوزايا المثل الشعبي القائل اوا دخابر بيرا بنابل كاوا

ولكن هوزايا بعد ان يخترق جسم المثل يفجر فيه دلالات جديدة ويقلب المعادلة اذ يقول

ܕܚܵܦܸܪ ܒܹܪܐ ....ܒܚܵܙܹܐ ܡܵܝܵܐ..

وهكذا ينقلنا هوزايا من حالة السقوط والموت الى الحياة الى الماء علة الحياة الاولى

ارايتم الى هذا الابداع الذكي الذي يتعامل به يونان هوزايا مع مفردات موروثات شعبية.

تعرفت على يونان مرقس هوزايا على درب الكلمة وحين اهديته نسخة من كتابي معجك روض الكلم كنث لمي قلت في الاهداء الى من التقيته على درب الكلمة اقدم روض الكلمات هذا.

لقد كتبت عن هوزايا كثيرا وكتب عني اكثر وترجمت له كثيرا وترجم لي حتى الى الكردية لقد تعاونا ثقافيا لفترات طويلة جلسنا على طاولة واحدة لمدة سنتين متواصلتين وانجزنا عملا لغويا قيما واليوم رحيله قبلي يفوضني لاكتب عنه حيثما استطعت الى ذلك سبيلا.

وفي الختام اقول ܕܘܼܟ݂ܪܵܢܵܐ ܠܥܵܠܲܡ ܢܗܘܹܐ ܠܙܲܕܝܼܩܹ̈ܐ.