EnglishالعربيةSyriac

القصة العراقية السريانية المعاصرة

4 سبتمبر، 2021

المجموعة القصصية [خبز السواتر] ليونان هوزايا انموذجاً

هيثم بهنام بردى

في حوار أجراه معي طلال حسن ونشر قبل أعوام سألني:

طلال: كيف ترى القصة السريانية، وما هي سبل الارتقاء بها؟

هيثم: في الحقيقة أنا أجهل القراءة باللغة السريانية ولكن ما أسمعه وما أقرأه لقصص مترجمة من السريانية إلى العربية في دورياتنا وصحفنا يجعلني أتساءل: هل هذه هي القصة السريانية حقاً؟

وبصراحة، ما أقرأه إلاّ من بعض القصص التي تحمل في ثناياها نضجاً فنياً واضحاً مثل قصص يونان هوزايا وعادل دنو وروبن بيت شموئيل وبطرس نباتي وسعيد شامايا لا يمكن أن يرقى إلى مستوى القص العراقي إبان الأربعينيات من القرن الماضي، فهي عبارة عن (القصة/ المقالة) التي كان يكتبها (جعفر الخليلي) و (ذو النون أيوب).. وغيرهم. هنا يبرز سؤال: هل أن ما يترجم هو كل القصص؟ فإذا كان هذا صحيحاً؟ فأين يكمن الخلل يا ترى؟ (انتهى)

***

وكان رأيي حينها يعتمد على بعض القصص التي كان يقرأها لي بعض الأصدقاء الأدباء المتمرسين باللغة السريانية من قصص القصاصين الوارد ذكرهم أعلاه، وتبلورت لدي فكرة عما يكتبه هؤلاء القصاصون، فعادل دنو فيما يكتبه باللغة السريانية قد لا يبّز ما يكتبه من قصص في اللغة العربية التي تنم عن موهبة ومراس جيدين، والأمر عينه ينطبق بنسب تتفاوت بين نتاج وآخر فيما ينسجه سعيد شامايا، فبتقديري المتواضع أن ما قُرأ عليّ من قصصه القصار جداً التي أنشأها باللغة السريانية تتوازى فنياً مع ما يكتبه باللغة العربية، وقرأت لبطرس نباتي بعض القصص التي كتبها باللغة السريانية وترجمها إلى العربية، أو بعض القصص التي كتبها أساساً باللغة العربية ونالت بعضها إعجابي لما توسّمت فيها من نضج في الكتابة وجَودة في الصياغة جعلتني أختار إحداها في موسوعتي التي صدر منها أربعة أجزاء والتي وُسمت ب (مبدعون عراقيون سريان)، ولا يمكن أن أًسجل انطباعاً عن روبن بيث شموئيل كوني لم أطلع إلاّ على قصتين أو ثلاث مما كتبه باللغة الأم، وقد أعاتبه في عدم ترجمتها للغة العربية رغم تمكنه من هذا الأمر، وهذا الأمر لا ينطبق على يونان هوزايا، إذ لم يسبق لي قراءة قصصه المكتوبة باللغة السريانية، ولكني كنت قارئاً فيما سبق، قبل ثلاثة عقود لبعض قصصه المكتوبة بالعربية في الصحف والمجلات العراقية، ولكن لم تتبلور لدى ذائقتي القرائية أية إشارة أو ملمح لإبداعه السردي. حتى وصلتني قبل أيام مجموعته القصصية (خبز السواتر) مترجمة من اللغة السريانية إلى اللغة العربية، وبطلب من إدارة الملتقى أن أكتب انطباعاً نقدياً عنها، ولكون ذائقتي قرائية تأخذ من النقد الانطباعي الحّيز الأكبر من النقد الأكاديمي الذي اتجنب ممارسته لعدم امتلاكي أدواته، فأني سأحاول أن أماهي بين هيثم القاص، وهيثم القارئ النخبوي الملم بأسانيد القراءة (النقدية) لقصص المجموعة.

وصلتني ست قصص مترجمة، بعضها ترجمها القاص يونان هوزايا بنفسه، والبعض الآخر تُرجمت من قبل آخرين، ومن خلال قراءتي لها تبين لي كم كان هوزايا متمكناً من اللغة العربية بحيث كانت ترجمته لقصصه من الجزالة والعمق والصفاء وكأنه كتبها بالعربية وليس بالسريانية، فيما اعتور وهن بيّن في القصص التي ترجمت من قبل آخرين ما جعلني أحس أن بها شيء من ملامح هوزايا وليس هوزايا كله، فيما كانت الأخريات تحوز على بعض التوفيق في الوصول إلى تجربة القاص، وهذا الأمر بدا لي واضحاً وجلياً.

القصص التي وصلتني تنقسم إلى:

  • القصة القصيرة: كان حلماً، تبن عتيق، الثالوث، الليلة خمر.
  • القصة القصيرة جداً: خبز السواتر
  • قصة الطفل (الفتيان): الهجرة.

وسأتناول القصص حسب تجنيسها واضعاً في الحسبان زمن كتابتها كي أقتفى خطى هوزايا السارد في رحلته مع كتابة القصة لرقعة زمنية تجاوزت الثلاثة عقود ونيّف تقريباً.

ففي القصة القصيرة توافرت لدي أربع قصص مذيلة بتواريخ تصاعدية أولها (كان حلماً) كتبها عام 1980 وآخرها (الليلة خمر) عام 2014.

القصة القصيرة

 (كان حلماً)

هذه القصة جمالها في بساطتها، إن كان في الزمان، فهو محددّ بفترة الغروب والغسق، وما يوحي هذا التوصيف من إشارات الانطفاء، أو المكان الذي حدده القاص في قرية (أشيثا) الواقعة في أقاصي (نوهدرا)، على صخرة قرب عين ماء تطل على الوادي، والشخصية الحاضرة المهيمنة على ميدان السرد هي شخصية الراعي العاشق شموئيل، في استذكار رومانسي غاية في الرقة لحبيبته الغائبة (شميرام)، والتي تأخذ مساحة كبيرة في تفاصيل الحدث المتمثل بلحظة تصّوف متدلهة بعشق يكاد يبز عشق روميو لجوليت، أو جنون قيس بليلاه، ولكن هوزايا ينسج نصه المشبع بلغة مشرقة جزلة متشظية... (لماذا أنت صامت حبيبي؟ قل شيئا.. فكلماتك تمترج بدمي، كضياء قمرٍ في قلب ليلٍ حالكٍ.. حدثني.. فصوتك ماء لأرضي العطشى.. وكلماتك لمسامعي كبصيص يراعة في مغارة مظلمة*.. اخبرني عما يدور في خلدك.. عن هواجسك وأحلامك.. عن أفكارك التي جعلت من قريتنا فردوساً، ومن أناسها ملائكة.. حدثني.. فكلماتك لي أنصع من الثلج الذي تتلحفه جبالنا.. وشدة  إيمانك تزرع فيّ كروماً من الأمل..)

جاعلاً من الحبيبة إطاراً محكماً لصورة بهية، تجعل المتلقي في حالة لهاث نحو كلمة الختام، والذي يقود دفتها باقتدار، ليطلع القارئ بانطباع أن ما قرأه ملحمة عشق برع في نسجها ذائقة سارد/ شاعر، يذّكر الذائقة القرائية بقصائد (التروباردو) "1" الشهيرة، في شدوه، والذي يصدمنا في منتهاه بأن ما قرأناه من سفر جميل ليس سوى حلماً.

*

(تبن عتيق)

هذه القصة تنسج نولها على غرار نسيج (كان حلماً)، فهي تشترك معها في الثيمة والحبكة وتوزع الوحدات الأرسطية في مفاصلها، مضافاً إليها البنية الرابعة المتجسدة بالشخصية، فأوريتا هي القرية التي يعيش فيها أبطال القصة، ففيها الفضاء المكاني الذي يضم جبالها الشاهقة وتلولها الشاخصة وبساتينها الممرعة وزهورها ومروجها وثلوجها.... الخ مما تزخر بها تينك الأماكن التي تتميز بخصوصيتها الساحرة، وهي تعج بالثنائيات التي استولدتها ذائقة القاص... (وأنا.. فلاحاً كنتُ.. يعشق الأرض.. يقدس التربة والثمر.. ويهيم بالجمال.. فثنائية الارض والفلاح.. الأم والأولاد.. الحب والعطاء... التضحيات والشوق.. المحصول والثمر.. كلها تجسدت في وجودي.. في أوريتا..

فلاحاً كنت حين كان يقرر شيوخ القرية أن يخرج القرويون ليجمعوا العفص، رجالاً ونساءً.. شباباً وصباياً.. كانوا يطلقون العنان لأرجلهم بحب الى الجبال، كنمل نشيط يتراكض من شجرة لأخرى.. ومن تل لآخر..

وحين يكسو الليل سماء قريتي حباً.. وسكوناً.. ودفئاً.. كان الجميع يعودون إلى أحضان اوريتا تعبين.. منهكين.. حاملين صررهم على اكتافهم، وبغالهم تسبقهم.. وحملٍ ثقيلٍ..). إختار هوزايا أن ينشئ قصته بصيغة ألواح، كل لوح يمهر كينونته ويمهد لكينونة اللوح القادم في تراتبية موفقة ومشوقة، ومن خلال تعاقب ما يتجسد في الألواح من تماهي الزمكان والشخصيات والحدث تتجلى لنا أحداث القصة في حبكة محكمة البناء وثيمة متينة، وهي تتحدث – كسابقتها- عن قصة حب مذهلة تربط بين قلبي الراوي الذي شاء القاص أن يبقيه بدون اسم وبين المعشوقة (سهرا) من قرية (كرما) التي تجاور (أوريتا)، والتي أفضت إلى الذروة المتمثلة بوجود معضلة كأداء مزمنة تتجلى في وجود ثأر قديم بين القريتين أدى إلى قطيعة جليدية أذابتها شمس توالي الزمن الذي يجعل من النسيان فلسفة محتمة، مع وجود القليل جداً من الاستثناءات السلبية والتي شاء الحظ أن يكون والد الفتاة انموذجاً لها (محى أناسها العاديون البسطاء من قلوب كرما وأوريتا ما رسمه الزمان لهما.. إلاّ بضع آثار قليلة.. أبت إلاّ أن تعشش غرباناً في عقول من تلذذوا بتقليب صفحات تاريخ أصفر.. أولئك الذين لم تتلفظ ذاكرتهم تلك البرودة التي غلفت قلبا كرما وأوريتا يوماً من الأيام..)، لتنتهي القصة نهاية توازي القصص التي نسجها الأفذاذ (روميو وجوليت شكسبير- مثالاً)، ولا تتقاطع معها أو تحاكيها أو تقلدها في مطاف الحكاية بل يختمها في جملة ساخرة  تعبّر عن رؤى البطل الواعي ومدى تقاطعه مع الواقع المتواشج في عقول غير متواشجة مع العقلنة...... (سبحنا في بحر عيون أحدنا الآخر.. نضجنا.. ونضج حبنا.. اشتد.. واكتمل.. وحان الوقت كي يتكلل حبنا هذا.. فذهب أهلي.. أهل اوريتا لخطبتها لي.. وأنا انتظر.. والزمن ينتظر معي.. ونايي يتراقص في يدي على ايقاع قدميي اللتين ما عادتا تلتصقان بأرضي.. لم يخطر ببالي، ولو للحظة هاربة من بين يدي الزمان أن يرفض أهلها.. فكيف يقولون "لا" لفلاح مثلي.. نقي كنسمات الصباح..

لم أكن أعلم أن والدها هو من اولئك الذين يقلبون في الكتب القديمة..

 و ممن يذرون التبن العتيق..). وفي الهامش تتضح استعارة التبن العتيق... (ذر التبن العتيق: مصطلح بالسريانية تقال لمن يبحث عن أمور تافهة أكل الدهر عليها وشرب، أو لمن يتحدث هراءاً..).

*

(الثالوث)

هذه قصة مكان بامتياز، فهي تدور رحاها في ثلاث شواخص مكانية (نهر، جسر، كوخ) وفي إطار هذا الثالوث المكاني المرموز تتحرك الثيمة من خلال الشخصية.

شخصية رجل أشيب فقد ابنه في الحرب إثر حلم، كان تفسيره نقيض ما حدث للإبن (الغائب في القصة والحاضر بقوة في وجدان الأب ووجدان المتلقي أو القارئ) وكأن هذا الثالوث والأب المفجوع يشكلون من خلال تعاضدهم الأسطوري إطار الصورة التي يتسيدها الإبن الغائب/ الحاضر، والذي تتمحور حول هاجس قدومه من جديد في أية لحظة، ليس من خلال حلقات الدخان التي تتشكل في الفضاء المحيط بهامة الأب إثر حرق مهجته بمهجة سيكاره الحزين بل من خلال تواثب الحياة وموارها، وليس من خلال (بينولوبي)"2" وهي تنسج صورة (عوليس)"3"، ولكن من خلال اصرار عوليس على تخطي النوائب كي تكتحل مدينته (ايثاكا) بهامته، وهكذا هو حال الأب... المرادف لبينولوبي، وهو ينسج دقائق الزمن من خلل الأمل في عودة ابنه من مطاوي الرقاد الأبدي، نحو فضاءات الحياة والمكان، مكانه الأثيري النهر، الجسر، وكوخه الذي سيزدهي بشهيقه وهو يعطر كل زاوية وعطفة من حجراته (في كل يوم، قبل أن تقبّل أشعة الشمس شفاه دجلة، ينزل العجوز وعكازه بيده إلى حيث أطلال ذاك الجسر، لينظر نشاطاً يشبه النمل، يتأمل الناس وهي تذهب لأشغالها.. هناك يسمع صوت المكائن والرافعات ومولدات الكهرباء وآلات قص الحديد ومكائن الخلط واللحيم والجرافات.. كلها كانت تفجر سكون الصباح..

كان العم نيسن، يمتع ناظريه بكل ذاك المنظر، وحين كانت تقع عيناه على الضفة الأخرى للنهر كان يمد يده في كيسه ليخرج سيكاراً يدخنه.. بينما قطرة صافية تلمع في مقلته..)، لتنتهي بنافذة يشرعها هوزايا إزاء الحزن والألم (غداً سيبنون الجسر من جديد.. وستعود الحياة لساقَي العجوز.. وسيعبر للضفة الأخرى.. هناك حيث الذكريات وآثار الأقدام.. هناك حيث الجدران العارية، الفارغة، الباردة، الخالية من كل دفء.. المفتوحة للسماء.. سيدخن سيكارتين أو ثلاث.. وتنهمر بعض الدموع من مقلتي عينيه.. وقت صلاة الرمش.. غداً سيحتفل بالعيد.. سيذهب جيئة وذهاباً فوق الجسر إلى أن ينام الظلام على صدر الخليقة..)

وإزاء هذا السرد المحكم والشفاف لقصة جميلة اجترحتها ذائقة قاص يعرف مكامن الفن القصصي جيداً، يمكنني أن أقول أن (الثالوث) قصة عراقية سريانية تمتلك من المقومات والمواصفات ما يمكن عدّها أيقونة القص السرياني المعاصر.

*

(الليلة خمر)

القصة السير غيرية لها خصوصيتها وملامحها وسماتها في خارطة السرد (القصة القصيرة، الرواية)، ومنها أنها ترصد حياة، أو حقبة من حياة انسان له بصمته الاجتماعية والثقافية والمعرفية، وقد تكون عن إنسان مهمش ولكنه يحمل من السمات والإجتراحات ما يجعل السارد يقتنصه في نص قصصي أو روائي فريد، والذائقة الحسية العالية ليونان هوزايا ما شاءت أن تذهب اللحظات الخيرة من حياة إنسان استثنائي تذهب الى أقاصي النسيان فآثر أن ينقلها عبر الذاكرة الى الصحائف، فكانت اقتناصاً لدقائق ولحظات تطوي فيما تطويه في جريانها السريع لحظات احتضار ورحيل أحد الأعمدة السردية العراقية والتي قدمت للأدب السرياني خدمة لا يمكن ان تعوض في نشره وتعريفه للفضاء الإبداعي العراقي عبر الحلقات الدراسية الأربع الزاخرة بالعطاء التي اقامها وهو يتبوأ إدارة المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية، ابن هذه البلدة التي كتب عنها ملحمة عراقية فذة أسماها (عمكا) تيمناً باسم (عنكاوا) الأثيلة، وقفت كتفاً لكتف مع قاص عراقي فذ اسمه محمد خضير سيرة اقتنص سيرة مدينة من أعطاف التاريخ  وسكب روحها  في قارورة أسماها (بصرياثا)، فكان خير ابن لمدينته، مثلما كان القاص والروائي العراقي السرياني الكبير الدكتور سعدي المالح خير ابن لمدينته التي أحبها حباً جماً.

ينشئ هوزايا قصته على شكل وحدات بنائية متقابلة تتتابع في سردها ثلاثة أصوات هي لأناس حقيقيين وهم من الأدباء والفنانين... ففي الأول يحضر يونان هوزايا، وهو يصف لنا صاحب (قفا نبك) ويسقطه على الحاضر المتجسد بالشخصية المحورية، في منادمة له مع بعض الأصدقاء في قاعة مناسبات يصلي فضاءها سركون بولص وهو يبحث عن مدينة أين ليجدها في الجالغي البغدادي والمقام العراقي اللذين يجعلان (المناضد والمقاعد تهتز.. و"الأقداح والمواعين" تتمايل مع النجوم..)، وفي الثاني يتسقط في وصف حزين موتور اللحظات الأخيرة لرحيل سعدي المالح، في جمل برقية سريعة تشي بحزن عميق يلهج بها كل من (فأيو – بطرس نباتي) و (صفرو- صباح هرمز)، وهما أديبان وفنانان معروفان، وهما بإحساس كلكامش يعيشان اللحظات الحاسمة لوفاة صديقة انكيدو، ليعلنا لليل السادر(عندها لاحظ أصدقائه خموده.. وانكفأت الشمس تحت الغيوم.. التفتنا إلى بعضنا..  من يخبر بلدته عنكاوا الرئة التي كان يتنفس بها).... واللوح الثالث يختمه هوزايا ليفتح جرحاً مفاده وهو يتلقى وسط صخب اصدقاءه الندماء الثلاثة وصوت الموسيقى الصاخبة... (مر أمام ناظري شريط سينمي.. حلقات دراسية قي عنكاوا ومدن أخرى.. وكم من أساتذة الجامعات.. ومن الأدباء والكتاب من أبناء شعبنا شاركوا فيها.. رغم أن الثقافة والفنون يشكلان نهراً عميقاً، إلاّ أنه امتلك السباحين) ليتذكر القاصيونان هوزايا (صاحب ال قفا نبكي) مختتماً بها قصته الجميلة.

*

(خبز السواتر)

والقصة القصيرة جداً

القصة القصيرة جداً جنس أدبي يندرج بالتأكيد ضمن جنس القصة، ولكن ولادته تأخرت عن صنوها القصة القصيرة بأربعة قرون تقريباً، متلفعة ببعض السمات التي تعطي خاصيتها منها وكما أوردت في كتابي الموسوم (القصة القصيرة جداً/ الريادة العراقية) الصادر عن دار غيداء للنشر والتوزيع في عمان بالأردن العام الفائت:

الزمان: لمحة قصيرة، أو ساعة، أو يوم وبعض يومٍ.

المكان: يتحدد المكان بأبعاد مادية لا تتعدى غرفة أو حيّز من حقل.. الخ.

الحدث: يفضل أن يكون محصوراً في مسألة واحدة وشأن محدد.

المقدمة: لا تزيد عن سطر أو سطرين أو أربعة اسطر على أكثر تقدير.

الذروة: يفضل أن لا تتجاوز ثلاث أو أربع حوادث أو أن تكون ضمن مشهد واحد.

النهاية: يجب أن تكون برقية متركزة في بؤرة واحدة وان تثوّر ذهن المتلقي.

الطول: أجمع جل المنظرون والنقاد أن انسب طول للقصة القصيرة جداً هو أن يتراوح طولها بين 500 ـ 2000 كلمة.

زاوية السرد: من المفضل أن يتقيد القاص بوجهة نظر واحدة.

الوصف: يجب الاقتصاد الشديد في الوصف.

وبعد كل هذه السمات الأساسية التي تؤطر هذا الجنس الأدبي الصعب، لنا أن نتأمل النص الوحيد الذي كتبه القاص هوزايا ضمن هذا الفن، والذي وسم مجموعته القصصية بها والصادرة في شيكاغو عام 1998، والذي جعلتني أندهش من هذا السبك المتمكن والدراية التامة بتقانات جنس القصة القصيرة جداً، فلن أقول أكثر من أن (خبز السواتر) حازت على كل اشتراطات القصة القصيرة جداً، ويقينا لو كنت اطلعت علها قبل أعوام لكان الجزء الثاني من سلسلة (مبدعون عراقيون سريان) الخاص بالقصة القصيرة جداً مزدهياً بها... ولن أشرح تفاصيلها خشية إفساد جماليتها، بل أدعوكم إلى قراءتها....

(الهجرة)

وأدب الطفل

سأجتزئ هذ التنصيص حول مفهوم أدب الطفل ومراحله هذه السطور من كتاب (أدب الأطفال.. فلسفته، فنونه، وسائطه) لهادي نعمان الهيتي الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالاشتراك مع دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد ضمن مشروع الألف كتاب الصادر عام 1986 حول المراحل العمرية في أدب الطفل التي أوردها في الصفحة 18 منه.

(أما هذه المراحل فهي:

  1. مرحلة الواقعية والخيال المحدود: وتشمل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث إلى خمس سنوات
  2. مرحلة الخيال المنطلق: وتشمل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ست إلى ثماني سنوات
  3. مرحلة البطولة: وتشمل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثماني أو تسع سنوات إلى إثنتي عشرة سنة.
  4. المرحلة المثالية: وتشمل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين إثنتي عشرة سنة إلى خمس عشرة سنة.)

ولو أخضعنا قصة يونان هوزايا الموسومة (الهجرة)  للمعيار القرائي الدقيق لوجدناها تنتمي إلى جنس أدب الطفل وتحديداً ل... (المرحلة المثالية) من أدب الطفل، وهي من أعسر صنوف الكتابة  في هذا الجنس الإبداعي نظراً لحراجة وخصوصية الفئة العمرية المخّاطّبة، فهي رحلة تغادر "مرحلة البطولة" بما تعج بها من إشارات ودلالات ومعطيات ساكنة نحو "مرحلة التقصي" بكل ما تعج بها من إشارات ودلالات ومعطيات غير ساكنة تجعل المتلقي في هذه المرحلة العمرية الحرجة، القلقة، الباحثة، يستنبط الرسالة الإنسانية التي يحملها النص المكتوب، ومدى نجاحه فيما يثوره من أسئلة عن كنه الحدث والحبكة، والاجتهاد في فك مغاليق الواقع.

ففي (الهجرة) ثمة خطان متوازيان، والخطوط المتوازية بما هو معروف عنها في علم الرياضيات، انها لا يلتقي قط، ولكن في الأدب ليس ثمة أمر محال، فمن الممكن أن يتحول المحال إلى حال....

الخط الأول يتمثل بأحد قطبي الوجود الممثلان بالخير والشر، يتجسد في شخصية (الغراب- الغربان) وعادة ما يمثل الشر بما جاءتنا من أخبار وكتب الأولين من سجايا تنزع نحو القطب المضاد للجمال والتي يمتلكها وبحسب المتداول والشفهي هذا الطائر... (... الأفق الذي ملأه نعيق الغربان وهي ترحل ضاحكة على كل شيء.. وساخرة من كل شيء.. وبرعونة لا مثيل لها.. تمزق سكون السماء بزعيقها..).

الخط الثاني يتجسد في العصفور الصغير وعادة ما يمثل بما جاءتنا من أخبار وكتب الأولين من سجايا تنزع نحو القطب المضاد للقبح والتي يمتلكها وبحسب المتداول والشفهي هذا الطائر... (سَمَعَ موسيقى.. تَجَمَّعَت الألحانُ، أقبلت الأشعارُ...حَمَلَ جَسَدهُ المُنهَكُ، مترنحاً من جانبٍ لآخر، مشى.. حتى وصلَ لأوريتا، التي على وجهها كتب تاريخه..، وعيناهُ تودعان كُلِّ زاوية من المكان، محدقتان... وبحُنجُرتهِ التي تخنُقُها الدموعُ، نَظَّمَ قصيدةً، و ألحاناً شجيةً..)، وما بين هذين الخطين ينسج هوزايا قصته التي خصصها للفتيان بتلك اللغة العصية والصعبة التي تحاول أن تماهي بين (مرحلة البطولة) التي تتميز بسماتها الخاصة وعوالمها المتفردة، و(المرحلة المثالية) التي تتميز بنزعتها المتخلية عن عوالم الطفولة وولوغها عالم الكبار، وهي حيّز من مكان محفوف بالمصاعب لا يستطيع أن يجتاز فخاخه ومطباته إلاّ قلم متمرس وذائقة ابداعية مدربة، وقد أفلح هوزايا في مسعاه، ومقتفياً خطى أساطين الحِكَمْ والأمثال الكثار عبر العصور ونذكر منهم (أحيقار الآشوري) و(آيسوب الأغريقي) و(بيدبا الهندي)، وغيرهم الكثير... يختم هوزايا قصته بحكمة بليغة: "ان الارض التي تُسقى بالإيمان والكفاح تعطي ثمراً.. اليوم.. الآن.. وإلى الابد.. فالعمل هو ملح الحياة..".

***

وختاماً ... إزاء محاولات يونان هوزايا القاص الشاب الذي لا يرقى عمره إلى الثلاثة عقود ويكتب بداياته في جنس القصة، في مستهل العقد الثمانيني من القرن الفائت، وبهذا التمكن، وفي لغة أصيلة قلما خاض غمار كتابة هذا الجنس من قبل الأدباء، على قلتهم، ولم يومض في سماء الإبداع السردي السرياني وميض يجلي دياميس الخواء، ومحاولة تطوير أدواته رغم قلة ما كتب، وجلّها القصص التي وردت بين دفتي مجموعته القصصية (خبز السواتر) الصادرة عام 1998 في شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية ، يمكنني أن أستخلص ثلاث إشارات مهمة:

الثالثة: أستطيع أن أقول... بأن القصة السريانية القصيرة استطاعت أن تقدم نفسها من خلال تجربة القاص يونان هوزايا، ولكم أن تتخيلوا مدى التعديل الذي سأجريه على جوابي لسؤال المحاور طلال حسن.

الثانية: أستطيع أن أؤكد وبلا تردد أن القصة المكتوبة باللغة السريانية تقف جنباً لجنب إزاء التجارب الناضجة المتمرسة باللغات الأخرى.

والأولى: أستطيع أن أدوّن بأنه... لو استمر القاص يونان هوزايا في كتابة القصة باللغة العربية، والتي أجادها بشكل محكم، لكان سجل لنفسه إسماً لافتاً في ذاكرة القصة العراقية المكتوبة باللغة العربية.

************

 

 

الملحق

قصص يونان هوزايا

القصة القصيرة

كان حلماً

  • سيكون لنا يوماً سقفٌ يأوينا، وفناءٌ يمرح فيه أطفالنا..

هذه كانت كلمات شميرام على مسامع حبيبها شموئيل، ذاك الراعي الصامت صمت قريته "اشيتا" التي تحتضنها الجبال من حيث تغرب شمسها الصافية معانقة بعضها البعض حتى تصل إلى شمالها..

تعلقت عينا شموئيل بوجهها، وظل يتأمل جمال شعرها المنسدل أمام عينيها كالسهل الذي يفترش مشرق قريته الخلابة..

  • لماذا أنت صامت حبيبي؟ قل شيئا.. فكلماتك تمترج بدمي، كضياء قمرٍ في قلب ليلٍ حالكٍ.. حدثني.. فصوتك ماءٌ لأرضي العطشى.. وكلماتك لمسامعي كبصيص يراعة في مغارة مظلمة*.. اخبرني عما يدور في خلدك.. عن هواجسك وأحلامك.. عن أفكارك التي جعلت من قريتنا فردوساً، ومن أناسها ملائكة.. حدثني.. فكلماتك لي أنصع من الثلج الذي تتلحفه جبالنا.. وشدة  إيمانك تزرع فيّ كروماً من الأمل..

حينذاك رفع شموئيل عينيه وقال:

  • شميرام.. أتعلمين كم أُجنُّ بذاك المرج الواسع في عينيك والممتد الى جنان قريتي ليعانق أحدهما الاخر .. أتعلمين كم أتلذذ بطعم الكروم التي لامس نسيمها شفتيك... حتى علياء جبينك يشهد على سمو إرثنا.. وأرضنا.. وعلياء اسمنا..

حينها أخذ رأسه ووضعه في احضانها..

  • قل لي شموئيل.. ماذا أفعل كلما أتذكرك يا راعي قلبي وحارس احلامي وآمالي؟

نسي الراعي الشاب نفسه.. اخفض عينيه. وبدأ يغني:

كلما ضاق بك الانتظار..

وذكرى حبيبك تسكب خمرتها أمام عينيك..

أنظريه كطير صغير..

يملأ جناحيه عطراً..

في عالم السحاب،

يشدو عالياً..

كلما ضاق بك الانتظار..

وذكرى حبيبك تسكب خمرتها أمام عينيك..

أنظريه كطير صغير..

من بين غيوم.. حل

في كروم.. حل..

ليرتشف من عشقٍ نصيبه..

أنظريه كطير صغير..

أجنحته القصيرة،

ملأى برمان..

إلتهب فوقها..

احمرارأ

قلب عاشق.. متيم..

كلما ضاق بك الانتظار..

وذكرى حبيبك تسكب خمرتها امام عينيك..

سأمد جناحيّ..

لأمسح عن شفتيك..

ذاك الضباب..

ونار اغنياتك..

سأحرس عينيك

السوداوين

مصدر قوتي..

وبشارة السلام..

حينها .. استيقظ على نباح كلبه الحارس.. استيقظ واستيقظت معه كل هموم غربته.. فوجد نفسه على صخرة قرب عين ماء، رفع رأسه فوجد قطيعه قد انتشر في الوادي.. ونايه قد وقع من بين يديه..

نزل يفتش نبع الماء، ورمل البحر، وما بين الصخور.. وظل الشجرة الملتفة.. باحثاً في كلها.. عن وجه شميرام..

لكنه كان بعيداً.. بعيداً جداً..

بل أنه كان حلماً..

بغداد 1980

المؤلف استخدم مفردتي: مغارة واسطبل هنا، لكنا فضلنا إبقاء مفردة واحدة وهي المغارة.

تبن عتيق

اللوح الاول

أوريتا.. قريتي التي فيها يكتمل سحر الطبيعة.. المنسوجة بالمزروعات التي كست أرضها خضرة لا مثيل لها.. في وديانها.. في سماءها.. كانت ملأة بأشجار عملاقة، عتيدة، جبارة، كجبروت رجالها... دلب.. جوز.. رمان.. بطمّ.. حورٌ وصفصاف..

كانت بقعة ً تحتضنها جبالٌ شاهقة.. عتيدة، غنية.. كغنى معلميها الغزيري الحكمة والثقافة.. تنبع من قلبها عيون ماءٍ صافٍ.. كصفاء عيناك حبيبتي.. وعمق صمتهما.. مروجها واسعةٌ شمّاء.. وسهولها خضراء..  يكسوها الثلج حيناً.. والوان الورود.. والزهور.. حمراء.. وصفراء أحياناً.. وأطفال في عيد كالو سولاقا.. أحياناً أخرى..

اللوح الثاني

وأنا.. فلاحاً كنتُ.. يعشق الأرض.. يقدس التربة والثمر.. ويهيم بالجمال.. فثنائية الارض والفلاح.. الأم والأولاد.. الحب والعطاء... التضحيات والشوق.. المحصول والثمر.. كلها تجسدت في وجودي.. في أوريتا..

فلاحاً كنت حين كان يقرر شيوخ القرية أن يخرج القرويون ليجمعوا العفص، رجالاً ونساءً.. شباباً وصباياً.. كانوا يطلقون العنان لأرجلهم بحب الى الجبال، كنمل نشيط يتراكض من شجرة لأخرى.. ومن تل لآخر..

وحين يكسو الليل سماء قريتي حباً.. وسكوناً.. ودفئاً.. كان الجميع يعودون إلى أحضان اوريتا تعبين.. منهكين.. حاملين صررهم على اكتافهم، وبغالهم تسبقهم.. وحملٍ ثقيلٍ..

اللوح الثالث

هناك.. في الوادي المحاذي لأوريتا.. تلاقت أعيننا.. وتسمرت قدماي في الساقية، لم أشعر بما دار حولي.. ولم أعلم ن بغلي المسكين كان قد وصل القرية دون أن ينتظر قدميّ ليفك أسرهما.

سهرا، هي من أسرت قلبي وملأت عقلي.. فمنذ ذلك اليوم ومحياها قد عشش في ثنايا عقلي.. واسمها حفر لنفسه أثراً عميقا في ذاكرتي.. سهرا.. منذ ذلك اليوم وهي لم تعد تفارق روحي وذاتي.. في أحلامي.. في نومي.. في عملي.. وفي كل لحظة من حياتي..

 سهرا.. هي من اختارتها روحي كي تكون غصن زيتون يزهو.. ويزهر.. وجودي..

اللوح الرابع

أحببت سهرا، تلك الفتاة الجميلة من (كرما)، القرية الصغيرة القريبة جداً من قريتي (اوريتا)، كقرب قلبي وقلبها.. بل أن القريتين كانتا واحدةً.. كما كان قلبانا واحداً.. فاوريتا كانت تتربع على إحدى جوانب المرج.. تحتها وادٍ عميق.. أما كرما فكانت رابضة على رأس التلة في الجهة الاخرى للمرج.. كسنبلتين فوق غصن حنطة كانتا..

 كلتاهما ماطرتان.. مثلجتان.. فيهما عيون ومراعٍ.. مليئتان بالأشجار والثمر.. كرما وأوريتا تشرق عليهما شمسٌ واحدة.. إحداهما عين اليسار.. والأخرى عين اليمين..

اللوح الخامس

منذ قرون خلت، وفي غابر الازمان، حدث تغيير كبير فرّق بين كرما و اوريتا، ورسم حدوداً بين حقولهما .. وزرعهما، ورسم  معه حقداً في قلوب بعض اناسهما، كان هذا منذ قرون خلت..

لكن الزمان كان أقوى من كل تلك الحدود.. وكان كفيلاً بأن يمحو كل عائق بينهما.. بل أنه كان كفيلاً بأن يمحو كل شيء.. فجدد ابناءهما وأحفادهما كل شئ.. فزرعوا بدل الحواجز بذورا انسانية.. إزهرّت روابط حبٍ ومودة... وجيرة حسنة.. أثمرت غيرة قروية..

محى اناسها العاديون البسطاء من قلوب كرما وأوريتا ما رسمه الزمان لهما.. إلاّ بضع آثار قليلة.. أبت إلاّ أن تعشش غرباناً في عقول من تلذذوا بتقليب صفحات تاريخ أصفر.. أولئك الذين لم تتلفظ ذاكرتهم تلك البرودة التي غلفت قلبا كرما وأوريتا يوماً من الأيام..

اللوح السادس

تقارب قلبانا .. وروحانا.. وكيانانا.. انا وسارة، فعشقنا بعض.. وهمنا ببعض.. جلسنا على حافات الينابيع.. تحت ظلال الدلب والجوز.. وعلى حافات السواقي.. تحادثنا.. وتناقشنا.. كيف.. لماذا.. ومتى..

سبحنا في بحر عيون أحدنا الآخر.. نضجنا.. ونضج حبنا.. اشتد.. واكتمل.. وحان الوقت كي يتكلل حبنا هذا.. فذهب أهلي .. أهل اوريتا لخطبتها لي.. وأنا انتظر.. والزمن ينتظر معي.. ونايي يتراقص في يدي على ايقاع قدميي اللتين ما عادتا تلتصقان بأرضي.. لم يخطر ببالي، ولو للحظة هاربة من بين يدي الزمان أن يرفض أهلها.. فكيف يقولون "لا" لفلاح مثلي.. نقي كنسمات الصباح..

لم أكن أعلم أن والدها هو من اولئك الذين يقلبون في الكتب القديمة..

 و ممن يذرون التبن العتيق..

1989

كالو سولاقا: احتفال كان يقام في القرى الكلدو اشورية بمناسبة عيد صعود الرب.

ذر التبن العتيق: مصطلح بالسريانية تقال لمن يبحث عن أمور تافهة أكل الدهر عليها وشرب، أو لمن يتحدث هراءاً..

الثالوث

النهر، الجسر، الكوخ..

ثلاثة عناصرٌ تربطها لهفةٌ.. شوقٌ.. وهيام.. حبلى بسكائرٍ.. والاف الحسرات..

العم نيسن، ذاك الشيخ العجوز.. الذي قشطت سني العمر لحمه عن عظامه.. بعينيه الحمراوين الغائرتين في جمجمته، وصوته الخافت المبحوح،  عكازه لا يبارح يده.. وكيس التبغ لا يفارق جنبه..

كان العم نيسن يحل ضيفا على الجسر كل يوم، يجلس تحت ظلاله على شاطئ دجلة، متأملاً تلك الأكواخ المهدمة أمام ناظريه على الضفة الأخرى للنهر..

كانت قد مرت أعوام منذ أن أسره ذاك الحلم الذي أرعبه.. إذ كان قد رأى ولده شموئيل وهو يجر وراءه إحدى قدميه.. وحين اقترب ومسها، عرف أنها من ذهب. ومن حينها أصبح كل أقاربه ومعارفه يقولون له:

تأمل خيراً.. وليكن لك رجاءٌ بما هو صالح..

لكن..

ما كان قد مر على ذاك الحلم سوى شهر واحد، حتى انتشر الخبر بسرعة البرق عن أن شموئيل قد جرفه تيار نهر الكارون غرب ايران، ومن حينها والعم نيسن يقطع الجسر كل يوم سيراً على الأقدام، ليصل إلى الضفة الأخرى لدجلة.. ويقف بين تلك الأكواخ المهدمة التي كانت إحداها يوما.. لولده.. ينفث هموم صدره مع دخان سيكارتين.. أو ثلاث.. ويطلق العنان لمقلتي عينيه، لتدمعا قطراتٍ تحرق الأكباد.. يعود بعدها أدراجه.. محتضناً بيته من جديد.. متأملاً من نافذته ذاك لثالوث المقدس.. النهر والجسر والكوخ..

في أحد الأيام، ارتعدت السماء رعداً مهيباً - لم يكن هذا بالشئ الغريب في شتاء قرية العم نيسن-  لكن الغريب إن ذاك الرعد لم يكن طبيعياً.. بل كان رعدُ وقوع ذاك النمر العتيد.. الجسر الكبير.. الذي سقط سقوطا مدوياً مدد أطرافه في النهر، وأغرقه تحت الماء..

لم يعد هناك جسرٌ..

ولم يبق للعجوز ما يحمل قدميه اللتين يتعكز عليهما جسده المثقل بالهموم.. سوى ضفة النهر.. هي كل ما تبقى له.. يجلس عليها، تحت أطلال صديقه، ذاك الجسر المحطم.. مقابلاً تلك الأكواخ المهدمة العارية، مدخناً بضعة سكائر، نافثاً لحسراتٍ تحرق حتى النهر!!

في كل يوم، قبل أن تقبّل أشعة الشمس شفاه دجلة، ينزل العجوز وعكازه بيده إلى حيث أطلال ذاك الجسر، لينظر نشاطاً يشبه النمل، يتأمل الناس وهي تذهب لأشغالها.. هناك يسمع صوت المكائن والرافعات ومولدات الكهرباء وآلات قص الحديد ومكائن الخلط واللحيم والجرافات.. كلها كانت تفجر سكون الصباح..

كان العم نيسن، يمتع ناظريه بكل ذاك المنظر، وحين كانت تقع عيناه على الضفة الأخرى للنهر كان يمد يده في كيسه ليخرج سيكاراً يدخنه.. بينما قطرة صافية تلمع في مقلته..

غداً سيبنون الجسر من جديد.. وستعود الحياة لساقَي العجوز.. وسيعبر للضفة الأخرى.. هناك حيث الذكريات وآثار الأقدام.. هناك حيث الجدران العارية، الفارغة، الباردة، الخالية من كل دفء.. المفتوحة للسماء.. سيدخن سيكارتين أو ثلاث.. وتنهمر بعض الدموع من مقلتي عينيه.. وقت صلاة الرمش.. غداً سيحتفل بالعيد.. سيذهب جيئة وذهاباً فوق الجسر إلى أن ينام الظلام على صدر الخليقة..

بغداد 1994

الليلة خمر

قصة قصيرة مهداة لروح الفقيد:  د. سعدي المالح

كتبها بالسريانية وترجمها: يونان هوزايا

(1)


"الليلة خمر وغداً أمر".. قالها لأصدقائه الندامى الشاعر صاحب "قفا نبكي".. أما نحن فلم نبك بل ضحكنا حتى تطايرت الدموع من مآقينا!!.. هل نعرف وجهة الأديب الراحل "سركون بولس" في "إلى مدينة أين"..-أعتقد نعم!.. إنه كان يبحث عن "جالغي بغداد".. والمقام العراقي..  وهنا شرع فريق الـ "جالغي" يعرض مهاراته.. فمروا كظل أو غيمة فوق  مذبح الأغنية.. وإمتصوا رحيق "هذه ليلتي".. ونثروه في الفضاء.. أية ليلة هذه.. التي عندما "تسكن".. يملأ جلبابها الرجاء وتختزن فيها الأحلام.. هم هللوا بصوت البوق.. وبالعود والقيثارة.. وبكل النسمات نحن هللنا للرب.. وإستمرت العوائل تتقاطر.. وإستمرت جوقة الـ جالغي تبث الروح في ثنايا الليل.. فكادت المناضد والمقاعد تهتز.. و"الأقداح والمواعين" تتمايل مع النجوم..
  

(2)


إسبوع أو أسبوعان ويشتد الألم ويحط به الرحال في بيروت.. لكنه لا يهدأ!.. أصدقاء وحوارات.. وأفكار ومشاريع.. وأسبوع أو أسبوعان.. وأشياء تغدو طقوساً يومية.. فنتساءل: ما أخبار الدكتور.. هل داوم في مكتبه؟ أما صديقاه الأقربان "فأيو و صفرو".. فلقاءاتهم تكررت صباح مساء، وبناءاً على طلب الدكتور.. يصحب هذه اللقاءات فحص الدم، الضغط، الأدوية التي يتناولها.. ذلك المساء لم يكن كغيره.. يرن هاتف "صفرو".. إنه "فأيو"..  "قد تصل.. وقد لا تصل!!"..أطبق "صفرو" جفنيه عسى أن يكون ذلك حلماً.. وعسى أن تمر هذه الكأس العلقم.. إلاّ أنه – وبعد هنيهات- ضرب كفاً بكف.. عندما شاهد صديقه قد ترجل من صهوة جواده.. وها هو ممدد أمامه..   لم يمت أنكيدو إلاّ عندما أوشكت آفاق صداقته مع كلكامش أن تكتمل.. أو بعد أن صارح ذاته.. أو صارحنا ذواتنا كاصدقاء.. هكذا تنضج وتكتمل الصداقة.. حاول "صفرو" أن يقول شيئاً.. إلاّ أن بعضهم حبذ أن لا يسمع صوته المبحوح.. رابي قل ما تشاء.. أو لا تقل.. فإننا نقرأ الممحي.. وماذا تقول أهم من: "أن رواية عمكا رواية قومية".. ارتجف "صفرو" إلاّ أن الدكتور لم يرتجف رغم الصعقة الكهربية.. عندها لاحظ أصدقائه خموده.. وانكفأت الشمس تحت الغيوم.. التفتنا إلى بعضنا..  من يخبر بلدته عنكاوا الرئة التي كان يتنفس بها..

(3)

إستمر هاتفي المحمول يدق.. إنهم أهلي.. لم أعر له الأهمية.. فالصوت المرتفع للفرقة الموسيقية لن يسمح لي بسماع شيء!!.. حوالينا الأجواء إحتفالية.. كل شيء يتناغم مع أيقاعات الفرقة.. وإنتظرت أن تنتهي "يا صياد السمك"..-   هلو..  إذا كنت تسمعني فإن الدكتور قد توفى.. تأكدت من الموضوع.. وظل الهاتف في يدي.. مر أمام ناظري شريط سينمي.. حلقات دراسية قي عنكاوا ومدن أخرى.. وكم من أساتذة الجامعات.. ومن الأدباء والكتاب من أبناء شعبنا شاركوا فيها.. رغم أن الثقافة والفنون يشكلان نهراً عميقاً، إلاّ أنه امتلك السباحين، واليوم فالذي يمتلك كل هذا الحب للغتنا وأدبنا وشعبنا الموحد.. ويتصدى لنشاطات ذات مستوى.. ذلك هو السباح.. ظل الهاتف في يدي!!.. ونظرة خاطفة لأصدقائي الثلاثة الذين معي.. لاحظت إنسجامهم مع أجواء النادي.. إلا أنني لن أنسى ما سمعت.. وعلي أن أخبرهم بما حدث.. وأتركهم وأتذكر أيضاً صاحب الـ "قفا نبكي"..

أربيل: 9 – ايار - 2014 

القصة القصيرة جداً

خبز السواتر

مقدمة

فارع الطول، بشَرَته بلون سنابل حنطة ذهبية.. جسده مفتول،  قوي.. مزهو بالزي الخاكي.. أما والدته فنحيلة الجسم.. ضعيفة البنية.. قامتها متوسطة، وجهها أبيض ملئ بسواقي العقد الخامس.. مكفّنة بثياب سوداء..

نص

  • أتعلمين أمي.. لخبزك هذا طعمٌ آخر وراء الحدود..

قال هذا وهو يمضغ قرصة خبز مغطاة بالسمسم.

  • -         "لا تعود دون أن تجلب معك خبز السمسم"، هكذا قال لي أصدقائي المقاتلين.
  • فالشاي الذي نرتشفه مساءاً وراء الحدود لا طعم له إن لم يكن مصحوباً بخبز السمسم.

لوحة

واقفة هي أمام التنور، تخبز.. حين اقترب منها النعش الذي يحمل جسده .. المكفّن بالعلم الحبيب.. تعالت اقراص الخبز في السماء متراقصة على صوت الزغاريد.

***

أدب الطفل

الهجرة..

     "لا عمل بعد اليوم”

كان هذا هو الشعار الذي رفعه الغراب وهو يحرق السنابل التي زرعها بالأمس، في أرض فلحها بنفسه، وسقاها من عرق جبينه..

( 1 )

على رأس صخرة كبيرة جلس العصفور الصغير متأملاً المرج، ناظره، متفحصاً الأفق الذي ملأه نعيق الغربان وهي ترحل ضاحكة على كل شئ.. وساخرة من كل شئ.. وبرعونة لا مثيل لها.. تمزق سكون السماء بزعيقها..

تمتم  العصفور قائلا:

  • ( أظنُّ أنَّ كُلَّ الطيورِ قد ذَهَبَتْ لترى النور، فهاجَرَتْ )

لكنَّ الحقيقةَ التي لمْ يُدرِكَها أنَّ تلكَ الطيور التي رآها مهاجِرةً، كانت قد دخلتْ أعشاشها لاقتناء لقمة العيش التي قد تظفر بها، إلاّ أنها خرجتْ خالية الوفاض..

أولئك الذين جَفَّتْ جعبهم، اليوم قد ظُلِموا وأُقنِعوا بُهتاناً.. بل دُفِعوا عنوةً، لترك أطفالِهم تحت مخالب وظلم الزمان، يتذوقون آلامه..

تركوا أوطانَهم، أعشاشهم، ورحلوا في طريقٍ رسمه لهم ملوك العالم الغريب .. أولئك الذين رفعوا شعاراً لنظام حياة جديدة ..غريبة: حيث " رفاهية دائمة.. عش زاهٍ جميل.. بلا أشواك.. بلا ملل.. وبلا عمل!!

شيءٌ غريبٌ، مخيفٌ، يحتاجُ إلى وقفةٍ و تَبَصُّرِ..

(-  ترى كيفَ ستكونُ الحياةُ التي يبتغيها الغرابُ..؟ )

تَمتَمَ العُصفورُ الصغير

  • ( كيف لي أنْ أترُكَ الحقلَ والمرج والسواقي)..

  و مجموعةٌ أُخرى ذهبتْ و مَرَّتْ مِنْ هُناكَ..

  • أظُنُّ أنَّ كُلَّ الطيورِ قد رحَلَتْ، كُلَّها تَرَكَتْ أماكِنها و ذَهَبَتْ،  فتسمري.. وبقائي وصمتي هم ليسوا سوى خوف.. لكن لمَ أخافُ.. و لماذا أصمت!!  سأذهبُ معَهُم ، سأتبَعْهُم، فالحياة هناك أفضل، والعُش أجمل.

.... و أخيراً شَدَّ حقائبَ الرحيلِ.

( 2 )

 لَمْ يُدْرِكَ العُضفورُ الصغيرُ أنَّهُ بإرادتهِ، وبقراره هذا كان قد رمى نفسه  في بحرٍ عميقٍ.. في وجهةٍ لا يَعْرِفُ عنهُا وفيها سوى.. التضحيات..

( 3 )

 سَمَعَ موسيقى.. تَجَمَّعَت الألحانُ، أقبلت الأشعارُ...حَمَلَ جَسَدهُ المُنهَكُ، مترنحاً من جانبٍ لآخر، مشى.. حتى وصلَ لأوريتا، التي على وجهها كتب تاريخه..، وعيناهُ تودعان كُلِّ زاوية من المكان، محدقتان... وبحُنجُرتهِ التي تخنُقُها الدموعُ، نَظَّمَ قصيدةً، و ألحاناً شجيةً..

وفي وقت الوداعِ.. شلت قدماه، عُقِدَ لِسانهِ، و أنهَكَت جناحاهُ الذكريات، و حينَ وصلَ للمقطعِ الأخيرِ .. كانت كلماتهُ صعبةً على أُذنيهِ و مريرةً في حنجرتهِ أثقّلَت مُقلتيهِ:

كيف سأهجر المرج...

كيف سأنسى هذا العطر..

سأخرج من جنتي..

وعن هذا الجمال سأفترق؟؟

( 4 )

رحل العصفور.. ووصل إلى عالمه الجديد.. إلى ذاك البحر الذي لا يعرف السكون.. تذوق مرارةً .. قساوةً.. و ألم.. مرت به الأيام.. وأضحت شهوراً وسنين.. وهو كما هو.. غارقٌ في دوامة غربته.. إلى أن أسره ذاك الصوت الذي سمعه في حلمه.. صوت الجداول والسواقي في وطنه وهي تغني:

     تفتحت ازهار الربيع..

وازهرت اغصان الشجر..

وصدح الحمام في الكروم..

لمَ انت بعيد؟ لمَ انت تائه؟

لم هجرت

صديقك ..وذاته..

( 5 )

حان وقت العودة.. فعاد العصفور للوطن... احتضنه المرج.. فرحت الورود.. وتفتح أمامه الزهر.. انتشى.. وطار بلا قيد.. ولا حزن.. ولا ملل.. عاد وملأ الفضاء عبير حريته.. ونسيم تأصله.. تذكر ما قاله اجداده:

"ان الارض التي تسقى بالإيمان والكفاح تعطي ثمراً.. اليوم.. الان.. والى الابد.. فالعمل هو ملح الحياة.."

1981

إشارات/

"1" التروباردو: هو شاعر أو موسيقي عاش في القرون الوسطى، وكان يؤدي أدواراً أو يخصص شخصاً لتأدية هذه الأدوار منشداً أشعار ألفها عند الملوك والسلاطين في الجنوب الشرقي لفرنسا وسرقسطة في مملكة أراغون وضواحيها بالخصوص. أصل هذا النوع الموسيقي هو أندلسي، اسم الكلمة مشتق من طرب وكلمة دور. وكانوا يعزفون الموسيقى متنقلين بين القصور، يعني كانوا يدورون من قصر إلى آخر. "من ويكيبيديا".

"2" بينيلوبي: في أوديسة هوميروس هي زوجة أوديسيوس الوفية التي ظلت ترفض الخاطبين الذين تقدموا لها طوال غيبته في رحلته الطويلة حتى عاد إليها في النهاية، ويرتبط اسم بينيلوبي في التقاليد الأدبية بالوفاء للزوج. "من ويكيبيديا"."3" أوديسيوس: هو ملك إيثاكا الأسطوري، ترك بلده كي يكون من قادة حرب طروادة، وصاحب فكرة الحصان الذي بواسطته انهزم الطرواديون.... بعد فوزهم بالحرب التقى أوديسيوس و جنوده بعملاق ذي عين واحدة ففقأ أوديسيوس عينه و جعله أعمى بعد أن أكل العملاق مجموعة من رجال أوديسوس و كان ذاك العملاق ابن اله البحر بوسيدون فغضب منه بوسيدون فعاقبه بأن تاه في البحر عشر سنين لاقى فيها أهوالا كثيرة. ذكرت قصته في حرب طروادة في ملحمة الإلياذة لهوميروس كما أنه بطل ملحمة الأوديسة لهوميروس أيضاً. "من ويكيبيديا".